27 أغسطس, 2010

… فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظةُ والقسوةُ والكيفيةُ الغضبية التي كانت عنده لمن صدر عنه ذنب حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا عليه أن يُهلكه الله ويأخذه، فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء …
فإذا جرتْ عليه المقادير ، وخُلّي ونفسَه، استغاث الله ولجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم (الملدوغ)، ودعاه دعاء المضطر؛ فتبدلت تلك الغلظةُ على المذنبين رقةً، وتلك القسوةُ على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله، وتبدل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل له وظيفةً من عمره: يسأل الله أن يغفر لهم …
… ثم مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله؛ فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقارا إلى ربه ووليّه، ومَن بيده صلاحُه وفلاحُه وهداه وسعادتُه.
وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارةُ حقيقتَها وإنما تدرك بالمحصول: فيحصل لقلبه كسرةٌ خاصةٌ لا يشبهها شئ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شئ فيه و لا به ولا منه، ولا فيه منفعةٌ ولا يُرغب في مثله، وأنه لايصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه … وذرةٌ من هذا أو نَفَسٌ منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم …
_______________________
العنوان والاقتباسات من “منزلة التوبة” في كتاب “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” لابن القيم، النسخة المهذبة.
مصنف في تأمل, نحو التغيير
| | 4 من التعليقات »
26 أغسطس, 2010
كأوائل الشيعة؛ في خذلانهم لمن يحبونه أو يزعمون حبه، ثم بكائهم عليه أو تباكيهم بعد رحيله؛ هكذا هو حال بعضنا مع غازي القصيبي رحمه الله، وهكذا شبّه صديقي آدم سايمن الأمرَ في حديثنا عما يجري حاليا من حفلات تأبين للراحل.
قلت لآدم: إنما الخشية من تشيع العوام والأتباع ممن لم يقرأ أحدهم لغازي شيئا يُذكر، أو سمع الناس بالأمس يقولون عنه شيئا فقاله ثم هو يقول معهم نقيضه اليوم، وأما غازي فقد حزنتُ لموته وأظن مَن قرأ قصائده الأخيرة -على الأقل- سيشعر بهذا.
من الجيد أن يُريح أحدُهم ضميره برثاء عدو الأمس، من الجيد أن تهز أحدَهم حقيقةُ الموت فيعترف بتخلصه من أباطيل كان يتوهمها. إنما يستوقفني -أو يحزنني- ألا يُنصَف إنسانٌ إلا بعد موته، محزنٌ أن يكون رحيلُه خرقةً لتلميع ذواتنا، أو أن تكون أسرارُ مجالسه فرشاة لتلوين صورتنا. وما يحزن أكثر هو أن تكون آخرُ أيام الإنسان في الدنيا -التي ملأها ضجيجا- موحشةً بلا زوار ولا أصحاب سوى ذي رحم أو موظف مأمور. دنيا .. وكفى بالموت واعظا !
اللهم أحسن خاتمتنا.
مصنف في تأمل
| | 4 من التعليقات »
25 أغسطس, 2010
يعتقد كثير من الصينين أن هناك أرواحا مُعلقة بين السماء والأرض، هائمةً بين آمالها وحرمانها، تائهة ًبين رغباتها وقيودها، متعثرةً بين أحلامها وخيباتها. وفي مثل هذا الوقت من كل سنة يبلغ الكرب بتلك الأرواح أقصى درجاته، فيهرع المؤمنون بهذا لنجدتها بإيقاد نيران صغيرة متفرقة -شاهدتها مرارا-؛ لعل الأرواح تنال منها قبسا أو تجد على النار هدى.
ألا يعلم الصينيون أن في داخل الإنسان نارا لا تخبو، يحملها حيث يهيم، تلسعه وتدفئه، تحرقه وتدفعه، تلهبه وترشده؟ أن في كل روح متقدة نارًا رمادُها وقودٌ وهشيمُها بذور؟
مصنف في تأمل, في الصين
| | 2 من التعليقات »
25 أغسطس, 2010
يُضرب المثل بالهدوء الذي يسبق العاصفة لكن لا أحد يتحدث عن هدوء ما بعدها !
مصنف في تأمل
| | 3 من التعليقات »
25 أغسطس, 2010


التقيت في صيف 1428 – 2007 بأمير المؤمنين -كما يسميه رعايا ولايته حرفيا-. لم يكن الطريق إلى لقائه (صورته أعلاه) مفروشًا بالورود. توجب علينا – أنا ورفيقي العزيز حسن السياري- السفرُ طيرانا من الرياض إلى القاهرة ثم إلى كانو في شمال نيجيريا. ظننا بادئ الأمر أن مكان الدورة التدريبة التي سنقدمها برعاية أمير المؤمنين لا تبعد كثيرا عن كانو، كما بدا لمنسق الرحلة الذي يبدو أنه لم ينتبه إلى أن سنتيمترا واحدا يفصل مكانين على خريطة صغيرة سيعني -في بلد كنيجيريا- مسافة تقارب 12 ساعة بالسيارة ! نمنا قليلا بعد وصولنا إلى كانو، بعد مشاهد كوميدية في مطار المدينة الذي كنا نتسابق فيه على التقاط حقائبنا قبل إطفاء الأنوار في منتصف الليل. ومع ساعات الفجر الأولى بدأت رحلتنا إلى مدينة”إلورن” باتجاه الجنوب، حيث ينتظرنا أمير المؤمنين وبعض رعاياه.
هل سمعت بدلتا النيجر؟ هناك تجتمع آبار النفط وأنابيب التصدير وقطاع الطريق ومليشيات المرتزقة وعمليات الخطف والانتقام من الأجانب العاملين في شركات البترول الأجنبية التي تنهب خيرات البلد. لسوء حظي -أو لحسنه لا أدري- أني سمعتُ عن المنطقة ومشاكلها قبل وصولنا لنيجريا، فلما أخبرنا مرافقُنا إسحاق عن اضطرارنا لعبور الدلتا هيأتُ نفسي لكل احتمال. قلنا دعاء السفر وكأنه دعاء مودع. لكنها في النهاية كانت تجربة فريدة، قطعنا مسافات شاسعة من مناظر طبيعية خلابة تمتد في الأفق، يحوطها فقر مدقع، وتشقها طرق مرعبة رديئة، وتلمؤها أشلاء سيارات متناثرة. لمن يكن صعبا أن تُفسر موجات العنف في المنطقة، فالوضع كله قنبلة وفتيل وشرار. نيجيربا مثال صارخ على مأساة شعوب أفريقيا: أرض خصبة، وثروة بشرية، ونقص القادرين على التمام.
وصلنا أخيرا لألورن، مرهقين من طول السفر وحبس الأنفاس وقلة النوم. أسكنونا في دار الضيافة التابعة لأمير المؤمنين: فلل من دور واحد يحيطها سور عال وأسلاك شائكة وحراسات مُسلحة. لم نكد نضع حقائبنا ونتهيأ للصلاة حتى انقطع الكهرباء، ولم يعمل المولد الاحتياطي، فجاء الأمر السامي الكريم بنقلنا لمكان آخر لا تنقطع فيه الكهرباء إلا ساعات قليلة، ومولداته كانت تعمل بشكل يسمح لنا إتمام ما كنا ننشغل به قبل الانقطاع.
لم يستقبلنا أمير المؤمنين اليوم التالي ولا الذي يليه ولا الذي يليه، كان علينا الانتظار حتى الجمعة لنقابله مع المتدربين ومع رئيس هيئة الحج النيجيرية (الرجل الكريم الخلوق، المستضيف الفعلي للدورة). وصلنا قصر الأمير الملاصق لجامع المدينة الكبير ذي المنارتين الزرقاوين. قيل لنا انتظروا قليلا حتى تنتهي وفود الناس المُقبلة للسلام على طويل العمر، لكننا آثرنا الدخول معهم ومشاهدة مراسم لقاء الراعي بالرعية. كلما اقتربنا من صالة الاستقبال تعالى صوتُ طبول وأبواق مزعجة وهمهمات متصاعدة. لاح لنا أمير المؤمنين على عرشه، كان مدى الرؤية مشوشا بمئات الرؤوس المشرئبة إليه ووجه الأمير يحجبه لثامه وريش النعام الذي كان يروح به عليه رجلان لا يكلان من الحركة. أجلسونا في طرف المجلس الأيسر. الناس تتدافع لرؤية أمير المؤمنين المُلثم بذؤابة عمامته البيضاء، وبعضهم يتمايل مع إيقاعات المعازف، والعازفون يقرعون طبولهم وينفخون أبواقهم بشكل تصاعدي عجيب يجعلك تندمج قسرا في المشهد. خُيل إلي أننا في “حفلة زار” أو استحضار أرواح وترقبتُ أحدهم ليصرخ أو يسقط مغشيا عليه لكن كل شئ توقف فجأة بإشارة من أمير المؤمنين الذي أماط اللثام عن وجهه ليصمت الجميع، قبل أن تتعالى جماعيا صيحات التكبير والولاء والإعجاب.. يا لغلبة القهر !
توارى أمير المؤمنين، ولازمنا أماكننا حتى خرج آخر رعاياه، ليقول لنا إسحاق :”هيا إلى مجلس الأمير الخاص” وهناك كان الأمير جالسا على كرسي مرتفع، حيّانا بحرارة وأعناقنا تميل إلى الأعلى لنستطيع مجاراة طول قامته. أجلسنا على كرسين بجواره؛ حسن على الأيمن منهما وأنا على الأيسر. والباقون -بما فيهم رئيس هيئة الحج- يفترشون الأرض. ساد الصمت دقيقتين قبل أن يتكلم إسحاق بصوت خفيض كلاما وجيزا، هز الأمير رأسه في اللحظة التي صاح فيها الحاضرون ( أموووووها) ! حانت كلمتتا، ابتدأت الكلمة بقولي محاولا تقليدهم ( أمووووها) فتبسم طويل العمر بطريقة مهيبة، وتبسم الحاضرون بوجل. شعرتُ أني ارتكبت حماقة لذيذة. تكلمت بلا ترتيب-وإسحاق يترجم- عن أخوة الإسلام وعن أهمية اللغة العربية وهدف زيارتنا وعن مشروع (العربية للجميع)، ثم شكرتُ مولانا والحاضرين، وصحت مرة أخرى (أمووووووها) والعزيز حسن يغالب ضحكاته.
تكلم بعدها الأمير بكلام مقتضب، وعيناي تنتقلان بينه وبين شاشة البلازما ذات الخمسين بوصة، كان الأمير يتحدث عن جهاد أجداده وعن حبهم للإسلام وللعرب، بينما الشاشة تعرض فيلما أمريكيا على mbc 2 ! ودعنا الأمير بعد إهدائه درعا تذكاريا من مشروع العربية للجميع. وأهدانا هو صورا تذكارية التقطها مصورُه للقاء.
بقينا بعدها 3 أيام، خُتمت الدورة وابتدأت رحلة الإياب بمثل ما أتينا به من عناء لذيذ :)
مصنف في أسفار
| | 5 من التعليقات »
18 أغسطس, 2010

- ليس كلُ تفسير تبريرا.
- كثيرٌ من تبريراتنا إما كذبٌ مُغلف، وإما دفاعٌ صادق أمام قاضٍ أدانك غيابيا بلا فرصة للاستئناف، وإما إيضاحٌ فات أوانُه. قلّما كان التبريرُ صادقا ومُجديًا في آن واحد.
- لستُ مضطرا لتبرير كل شئ أمام غيري، المهم دوما أن أملك جوابا لنفسي وتفسيرا مُقنعا لما يحدث؛ هذا هو الأهم.. وهو الأصعب !
- كُن دائمَ التبرير -أو التفهم على الأقل- لأخطاء غيرك حتى يسلم صدرُك، حَذِرا في التبرير لنفسك حتى لا تستمرئ هفواتك. وبين السذاجة والتغافل هنا كما بين جلد الذات والنفس اللوامة: شعرة دقيقة طرفها الأول ضعف ونقص وطرفها الثاني قوة وكمال.
- كثرةُ الاعتذار والتبرير هي من أعراض حساسية القلب.. وهي في العلاقات الاجتماعية شئ مرهق لكل الأطراف.
- مَن يعتذر كثيرا ويُبرر كثيرا فإنه يفترض في الآخرين غالبا أن يفعلوا. حاول التخفف من همّ التبرير لنفسك أمام غيرك؛ لتزيح عن قلبك عناء انتظار إيضاحاتهم وتبريراتهم، ولتُحررهم من قيود التبرير لك.
- أكثرُنا تفهمًا للآخرين هم أكثرُنا حاجة للتبرير والاعتذار أمام أنفسهم، ربما لأنهم يبرئون غيرهم دائمًا فلا يبقى في لائحة الاتهام سواهم..
- الله وحده يعلم !
كما أن أكثرنا تفهما للآخرين هم أكثرنا حيرة مع نفوسهم، لا يجدون لها مبررا مُقنعا ولا يفهمون دوافع بعض ما يصدر عنها، عاجزون عن التيقن مما يريدون في النهاية. القلب الشفيف كــ “موشور” له القدرة على استقبال ألف شعاع مختلف لكن “قانون الانكسار” يجعل الموشور يمور بكل ألوان الطيف في لحظة واحدة.
مصنف في تأمل
| | 3 من التعليقات »
16 أغسطس, 2010


“باتشاي” ؛ هكذا يُسمي الصينيون رمضان.
كثير من المواعظ، كثير من الصدقات، كثير من أعمال الخير .. هذه -كالحال لدى باقي مسلمي العالم- هي مظاهر رمضان بين مسلمي الصين. أما صلاة التروايح فهي تصلى 21 ركعة، سريعة جدا، يُكتفى فيها بقصار السور، وبين كل ركعتين دعاء يترنم به المصلون جماعيا. وأما الزي التقليدي لمسلمي الصين -الذي يحرصون على ارتدائه أثناء الصلوات- فيشبه نسبيا ملابس الإخوة الأندونيسين مع “طواقي” بيضاء للعامة وعمائم باللون نفسه للأئمة.. وأما الطعام -الذي يتفنن الناس فيه عادة أيام رمضان- فيختلف بين مسلمي الصين أنفسهم تبعا لقومياتهم التي أكبرها قومية “هوي” وقومية “الإيغور”، فمسلموا الهوي يغلب الطعام النباتي والحار على مطبخهم، والإيغور يتميزون بفنون الشواء وصنوف اللحم.
المساجد في صلاة التروايح تمتلئ بالعُمّار، وفيهم نسبة كبيرة من الشباب. ولكل مسجد غالبا إمامان، أحدهما يُلقي المواعظ قبل صلاة العشاء والتراويح، والآخر يصلي بالناس، ويتناوبان في هذا يوما بعد يوم. في كل مسجد بلا استثناء مائدة إفطار يومي، يحضرها الإمامان وكبار جماعة المسجد الذين لهم كلمة نافذة في كل صغيرة وكبيرة من شؤونه.
المسجد الصيني الذي أصلي فيه أحيانا (الصورة لمدخله) مسجد مساحته ألفا متر تقريبا، على ضفاف نهر صغير، وفيه المصلى وغرفة لسكن الأئمة، وقاعة اجتماعات وفصول دراسية ومطبخ خيري وميضأة ومغتسل، هو مكان متكامل لأداء وظيفة المسجد في الإسلام، وهذا ما يحاول الإمامان القيام به رغم قلة الموارد وعدم العضيد.
هناك مسجد -أو مُصلى- وحيد في بكين لا يختلف الوضع فيه عما اعتدنا عليه في السعودية، فيه يجتمع المسلمون -العرب خصوصا -داخل السفارة السودانية ، وفيه تقام أيضا الجمعة والعيد، للتراويح فيه أيضا إمامان كلاهما حسن الصوت؛ تلاوة عذبة هادئة لا تكلف في، وهناك أصلي غالبا التراويح.
… أفتقد رمضان في الوطن..
جعلني الله وإياكم من المقبولين.
مصنف في في الصين
| | 9 من التعليقات »
7 أغسطس, 2010


آمنتُ أن سنةً في الغربة كعشر سنوات مما تعدون.
في سنة الاغتراب –أو الاستشراق- هذه أكملت الثلاثين، جاوزتها بمشاعر لا لون لها وإن كان لون البياض قد ازداد في شعر رأسي، ولا أدري أتضاعفت خصلات المشيب أم أنها تلمع أكثر وتتكلم أكثر كلما تقدم ليل العمر واقترب فجر اليقين وعلا صخب الصمت.
شهدتُ فصول السنة كلها في بكين، أعني فصول السنة حقيقةً لا مجازًا؛ يورق الشجر، تصفّر أوراقه، ثم تسقط، لتورق كرّة أخرى. الشجرة تُجدد نفسها، تواجه كل تقلبات الزمان، تصمد جذورها في زمهرير يصل إلى 25 درجة تحت الصفر، ويتدرج إلى حرٍّ يُقارب 40 درجة مئوية، تقاوم أغصانُها حر الصيف وبرد الشتاء، تنكفئ في الخريف وتُزهر في الربيع. . إنها هي هي.. لا الجذور تفنى، ولا الجذعُ-مهما طاوع الفصولَ- ينكسر. لاعجب إذن أن يتحدث الوحي الإلهي عن هذه المشاهد المُتباينة الموحية، ليستشهد بها على عقائد الإيمان وحقائق الغيب ومواعظ الترغيب والترهيب، يُخاطب بها الوجدان ويُلامس شغاف القلب.
إن في الطبيعة صورًا لكل معنى ونقيضه، وبينهما تدرجٌ يُعلمنا أن في الحياة متسعا لكل شئ، فيها جمال وإيمان ويقين وأمل كما أن فيها بشاعةً واضطرابا وقسوةً وألما، فيها نُذر وبشائر، وفيها ما يٍُساعدنا دومًا على التوازن في كل فصول الحياة التي تُعلمنا أن نلعب تحت المطر ولا ننسى مظلاتنا في الجوار، نشكر الله في الرخاء ونلوذ به في الابتلاء، نرتجفُ ضعفا فنتدثر بدفء الإيمان، نتصبب حُزنا فنغتسل بحسن الرجاء، نتشقق جدبًا فنستسقي بجميل الصبر.. و”كل الأحزان تنتهي.. وكل الأفراح تنتهي” كما يقول المُفكر الإنسان عبدالوهاب المسيري.
وماذا علّمتني السنة الماضية أيضا؟ شخصيا؛ كان لتقلبات الفصول الأربعة ذاتها نسخًا ذاتية، أجدبتُ وتجمدتُ ودفئتُ وأورقتُ وظميت وارتويت، وبقايا “المناخ القاري” فيني تمنح كل فصل تطرفا من نوع خاص. لم أكمل الفصل الدراسي الأول من برنامج اللغة؛ ربما عزّ على جسدي ألا تجد روحي تفسيرا لتعثرها المكرور فحاول إمدادها بتوضيحات وحُجج ملموسة؛ وكانت غرفة 241 وسريرها الأبيض الوثير وسيلتَه السانحة، استأنفتُ برنامج اللغة في الفصل الثاني ليتفهم الجسدُ الروحَ من جديد بطريقته الخاصة، فانقطعتُ من جديد بالوسيلة نفسها تقريبا (تغير التشخيص ورقم الغرفة ولون الجدران). خرجت من السنة الدراسية بشهادتين طبيتين فيهما تفاصيل كثيرة أقنعتْ كثيرين سوى حاملها. وسأبدأ بعد شهر برنامج الدكتوراه مباشرة باللغة الإنجليزية بلا عوائق إن شاء الله.
لم أتفاجأ كثيرا بواقع السعودين هنا وإن احتجتُ بعض الوقت لأتأقلم معه. نحن هنا شريحة مقطعية لنا في الوطن، أو شرائح بالأحرى: مجتمع السفارة وملحقياتها، ومجتمع المدرسة السعودية ومعلموها، ومجتمع الطلاب المبتعثين؛ عوالم متابينة، أحاول أن أقف من الجميع على بُعد واحد، ليس بيني وبين أحدهم حزازة ولا قطيعة، وليس لي بينهم صديق.. حالةٌ مُحايدة.. مُريحة نسبيا.. عَملية غالبا.
الحمد لله وحده؛ تحقق الكثير: تعلمت الكلمات المفتاحية الصينية.. اقتربت من ثقافة مذهلة، ورأيتُ عالما مدهشا ممتلئا بالحياة الأقرب لبساطة الإنسان ومعجزة الإنسان.. نجحنا في الحصول على قرار إلحاق زوجتي العزيزة حنان بالبعثة، ستبدأ دراستها الفصل القادم وستنال الشهادة بجدارة إن شاء الله.. هناك فرصة للتدريس في إحدى جامعات بكين.. زارني والداي الحبيبان، وأخواتي حنان وابتسام -وأبناؤهن وبناتهن- وغدير، وأخواي فهد وفيصل، وعادوا جميعا قبل أيام مع زوجتي وأطفالي وهم سعيدون جدا بالبرنامح السياحي الحافل، كانت أياما جميلة خاصة أن والدي لم يزرني معهم في بريطانيا وفاجأنا بمجيئه للصين بعد أيام من وصول أمي ووفدها الكريم، سعدتُ به جدا وأرجو أن مجيئه أسعده، رغم تبرمه أحيانا من حلقات “الاتجاه المعاكس” التي لا تنتهي بيني وبين أمي الغالية.
وسلامتكم..
_______________
* الصورة من هنا
مصنف في في الصين
| | 10 من التعليقات »
30 يونيو, 2010
كثيرًا ما تكون المُبالغةُ في نفي أمرٍ مرآةَ وجودِه، والمبالغةُ في إثباته مرآةَ عدمه.
مصنف في تأمل
| | 5 من التعليقات »
30 يونيو, 2010
إن كنتَ بيدقًا لا محالة فلا تفارق مربعك الأبيض..
إن كنتَ بيدقًا ولابدّ فاختر الموتَ واقفا؛ لا صراعًا مع بيادقك الصديقة.. وكل بيادق القهر أصدقاء!
مصنف في تأمل
| | 2 من التعليقات »