إرشيف التصنيف: ‘تأمل’

مشاهد المعصية ..

الجمعة, 27 أغسطس, 2010

… فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظةُ والقسوةُ والكيفيةُ الغضبية التي كانت عنده لمن صدر عنه ذنب حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا عليه أن يُهلكه الله ويأخذه، فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء …
فإذا جرتْ عليه المقادير ، وخُلّي ونفسَه، استغاث الله ولجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم (الملدوغ)، ودعاه دعاء المضطر؛ فتبدلت تلك الغلظةُ على المذنبين رقةً، وتلك القسوةُ على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله، وتبدل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل له وظيفةً من عمره: يسأل الله أن يغفر لهم …

… ثم مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله؛ فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقارا إلى ربه ووليّه، ومَن بيده صلاحُه وفلاحُه وهداه وسعادتُه.
وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارةُ حقيقتَها وإنما تدرك بالمحصول: فيحصل لقلبه كسرةٌ خاصةٌ لا يشبهها شئ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شئ فيه و لا به ولا منه، ولا فيه منفعةٌ ولا يُرغب في مثله، وأنه لايصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه … وذرةٌ من هذا أو نَفَسٌ منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم …

_______________________

العنوان والاقتباسات من “منزلة التوبة” في كتاب “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” لابن القيم، النسخة المهذبة.

شيعة غازي ..

الخميس, 26 أغسطس, 2010

كأوائل الشيعة؛ في خذلانهم لمن يحبونه أو يزعمون حبه، ثم بكائهم عليه أو تباكيهم  بعد رحيله؛ هكذا هو حال بعضنا مع غازي القصيبي رحمه الله، وهكذا شبّه صديقي آدم سايمن الأمرَ في حديثنا عما يجري حاليا من حفلات تأبين  للراحل.

قلت لآدم:  إنما الخشية من تشيع العوام والأتباع ممن لم يقرأ أحدهم لغازي شيئا يُذكر، أو سمع الناس بالأمس يقولون عنه شيئا فقاله ثم هو يقول معهم نقيضه اليوم، وأما غازي فقد حزنتُ لموته وأظن مَن قرأ قصائده الأخيرة -على الأقل- سيشعر بهذا.

من الجيد أن يُريح أحدُهم ضميره برثاء عدو الأمس، من الجيد أن تهز أحدَهم حقيقةُ الموت فيعترف بتخلصه من أباطيل كان يتوهمها. إنما يستوقفني -أو يحزنني-  ألا يُنصَف إنسانٌ إلا بعد موته، محزنٌ أن يكون رحيلُه خرقةً لتلميع ذواتنا، أو أن تكون أسرارُ مجالسه فرشاة لتلوين صورتنا.  وما يحزن أكثر هو أن تكون آخرُ أيام الإنسان في الدنيا -التي ملأها ضجيجا- موحشةً بلا زوار ولا أصحاب سوى ذي رحم أو موظف مأمور.  دنيا .. وكفى بالموت واعظا !

اللهم أحسن خاتمتنا.

وقودُ الرماد ..

الأربعاء, 25 أغسطس, 2010

يعتقد كثير من الصينين أن هناك أرواحا مُعلقة بين السماء والأرض، هائمةً بين آمالها وحرمانها، تائهة ًبين رغباتها وقيودها، متعثرةً بين أحلامها وخيباتها. وفي مثل هذا الوقت من كل سنة يبلغ الكرب بتلك الأرواح أقصى درجاته، فيهرع المؤمنون بهذا لنجدتها بإيقاد نيران صغيرة متفرقة -شاهدتها مرارا-؛ لعل الأرواح تنال منها قبسا أو تجد على النار هدى.

ألا يعلم الصينيون  أن في داخل الإنسان نارا لا تخبو، يحملها حيث يهيم، تلسعه وتدفئه، تحرقه وتدفعه، تلهبه وترشده؟ أن في كل روح متقدة نارًا رمادُها وقودٌ وهشيمُها بذور؟

هدوءٌ عاصف ..

الأربعاء, 25 أغسطس, 2010

يُضرب المثل بالهدوء الذي يسبق العاصفة لكن لا أحد يتحدث عن هدوء ما بعدها !

تبريرُ التبرير ..

الأربعاء, 18 أغسطس, 2010

- ليس كلُ تفسير تبريرا.

- كثيرٌ من تبريراتنا إما كذبٌ مُغلف، وإما دفاعٌ صادق أمام قاضٍ أدانك غيابيا بلا فرصة للاستئناف، وإما إيضاحٌ فات أوانُه.  قلّما كان التبريرُ صادقا ومُجديًا في آن واحد.

- لستُ مضطرا لتبرير كل شئ أمام غيري، المهم دوما أن أملك جوابا لنفسي وتفسيرا مُقنعا لما يحدث؛ هذا هو الأهم.. وهو الأصعب !

- كُن دائمَ التبرير -أو التفهم على الأقل- لأخطاء غيرك حتى يسلم صدرُك، حَذِرا في التبرير لنفسك حتى لا تستمرئ هفواتك. وبين السذاجة والتغافل هنا كما بين جلد الذات والنفس اللوامة: شعرة دقيقة طرفها الأول ضعف ونقص وطرفها الثاني قوة وكمال.

- كثرةُ الاعتذار والتبرير هي من أعراض حساسية القلب.. وهي في العلاقات الاجتماعية شئ مرهق لكل الأطراف.

-   مَن يعتذر كثيرا ويُبرر كثيرا فإنه يفترض في الآخرين غالبا أن يفعلوا. حاول التخفف من همّ التبرير لنفسك أمام غيرك؛ لتزيح عن قلبك عناء انتظار إيضاحاتهم وتبريراتهم، ولتُحررهم من قيود التبرير لك.

- أكثرُنا تفهمًا للآخرين هم أكثرُنا حاجة للتبرير والاعتذار أمام أنفسهم، ربما لأنهم يبرئون غيرهم دائمًا فلا يبقى في لائحة الاتهام سواهم..

- الله وحده يعلم !

كما أن أكثرنا تفهما للآخرين هم أكثرنا حيرة مع نفوسهم، لا يجدون لها مبررا مُقنعا ولا يفهمون دوافع بعض ما يصدر عنها، عاجزون عن التيقن مما يريدون في النهاية. القلب الشفيف كــ “موشور” له القدرة على استقبال ألف شعاع مختلف لكن “قانون الانكسار” يجعل الموشور يمور بكل ألوان الطيف في لحظة واحدة.

مرايا ..

الأربعاء, 30 يونيو, 2010

كثيرًا ما تكون المُبالغةُ في نفي أمرٍ مرآةَ وجودِه، والمبالغةُ في إثباته مرآةَ عدمه.

إضراب أبيض ..

الأربعاء, 30 يونيو, 2010


إن كنتَ بيدقًا لا محالة فلا تفارق مربعك الأبيض..
إن كنتَ بيدقًا ولابدّ فاختر الموتَ واقفا؛ لا صراعًا مع بيادقك الصديقة.. وكل بيادق القهر أصدقاء!

صريح الإيمان ..

الأربعاء, 30 يونيو, 2010

إنك لا تأمن دقة البوصلة حين يطول سكونُها؛ عليك أن تهزّها فيتأرجح مؤشرها قبل أن يُشير إلى الاتجاه الصائب. هكذا نحن؛ نضطرب، نتأرجح أحيانا، لضمان صدق اتجاهنا.

وطنك أنت ..

الثلاثاء, 15 يونيو, 2010

لا وطنَ لروح غجرية…  سواها.

صدمات الرموز .. والصمت الجميل

الخميس, 3 يونيو, 2010

IMG_2838

لا يحسن التعويل على الأحياء لأنه أمر يستنزفنا ما بين الحاجة إليه والخوف منه؛ إلا أنني لا أستطيع إخفاء الشعور بالإحباط من موقف بعض رموزنا المحلية، ليس في أحداث مجتمعنا والعالم من حولنا بل حتى في ترتيب أولوياتهم واهتماماتهم، وعدمِ إدراك بعضهم للعبة الإعلام التي يُديرها مَن لا همّ له سوى ضرب المجتمع بعضه ببعض ليضيع صوت المستضعفين وتُنسى المظالم في زحام الاشتباكات.

بعضنا ربما يرى ضرورة هدم الرموز القائمة لكني أظن أن هاجس “هدم” صروح الآخرين عموما هو مما أخرّنا وأشغلنا كثيرا، وانظر حولك تجد أن موضوعات “الهواش” والهدم والهدم المضاد هي الأكثر رواجا وتفاعلا. مع أن بعض ما نختلف عليه -أو نُصدم به- هو مما لا يستحق المواجهة ولا التطاحن ولا الهدم، إما إحسانا للظن وإما اهتماما بالنفس قبل الآخرين.
نعم، ما نراه من صدمات ربما يظل يستفزنا حتى لا نفكر أحيانا في شئ سوى الهدم، ولا شئ قبل الهدم؛ لكننا لو أننا روَضنا عنفوان القهر فينا لرأينا في الأفق ألف أرض/قلب تنتظر البناء والاحتواء.

لست ملزما دوما بالهدم قبل البناء مادام في الأرض منبسط ومتسع لبنيان جديد..
وبعض ما هو قائم سيتهاوى لوحده بلا أدنى جهد يحسن توفيره لمجالات أولى..
وحتى عامة الناس صاروا يميزون بين الذهب والنحاس..
أسس بنيانك على تقوى من الله ورضوان، ولا عليك من بنيان سيهوي قريبا؛ فإنه على شفا جرف هار..

سيأتي عليك يوم تعتاد فيه الصدمات، ستمنحك مرارتُها مناعة -وصلابة ربما- لا تقيك الألم لكن لعلها تُخففه.

وأما الصمت، صمتنا أو صمتهم، فربما يكون نأيا بالنفس عن مسرح الجريمة، لكيلا تتلطخ قمصانُ القناعات بــ “دمٍ كذب” نتمنى بعدها لو أننا قلنا “فصمتٌ جميل” ولم نخض مع الخائضين.
الصمت هو بُعدٌ عن مرآة الأحداث قليلا لتُرى ملامح الوقائع على طبيعتها بلا تحديب ولا تقعير.
الصمت قد يكون عجزا حتى، جُبنا، يأسا، خيبة.. لكن لا أحد يكاد يختاره؛ فصمت الشجي شهيقٌ بلا أكسجين.

_____________________________

* الصورة من شرفة غرفتي في مدينة كاندي  سريلانكا 2006