… فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظةُ والقسوةُ والكيفيةُ الغضبية التي كانت عنده لمن صدر عنه ذنب حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا عليه أن يُهلكه الله ويأخذه، فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء …
فإذا جرتْ عليه المقادير ، وخُلّي ونفسَه، استغاث الله ولجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم (الملدوغ)، ودعاه دعاء المضطر؛ فتبدلت تلك الغلظةُ على المذنبين رقةً، وتلك القسوةُ على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله، وتبدل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل له وظيفةً من عمره: يسأل الله أن يغفر لهم …… ثم مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله؛ فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقارا إلى ربه ووليّه، ومَن بيده صلاحُه وفلاحُه وهداه وسعادتُه.
وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارةُ حقيقتَها وإنما تدرك بالمحصول: فيحصل لقلبه كسرةٌ خاصةٌ لا يشبهها شئ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شئ فيه و لا به ولا منه، ولا فيه منفعةٌ ولا يُرغب في مثله، وأنه لايصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه … وذرةٌ من هذا أو نَفَسٌ منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم …
_______________________
العنوان والاقتباسات من “منزلة التوبة” في كتاب “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” لابن القيم، النسخة المهذبة.