إرشيف التصنيف: ‘في الصين’

وقودُ الرماد ..

الأربعاء, 25 أغسطس, 2010

يعتقد كثير من الصينين أن هناك أرواحا مُعلقة بين السماء والأرض، هائمةً بين آمالها وحرمانها، تائهة ًبين رغباتها وقيودها، متعثرةً بين أحلامها وخيباتها. وفي مثل هذا الوقت من كل سنة يبلغ الكرب بتلك الأرواح أقصى درجاته، فيهرع المؤمنون بهذا لنجدتها بإيقاد نيران صغيرة متفرقة -شاهدتها مرارا-؛ لعل الأرواح تنال منها قبسا أو تجد على النار هدى.

ألا يعلم الصينيون  أن في داخل الإنسان نارا لا تخبو، يحملها حيث يهيم، تلسعه وتدفئه، تحرقه وتدفعه، تلهبه وترشده؟ أن في كل روح متقدة نارًا رمادُها وقودٌ وهشيمُها بذور؟

باتشاي ..

الإثنين, 16 أغسطس, 2010

Chinese Moaque in Beijing

“باتشاي” ؛ هكذا يُسمي الصينيون رمضان.

كثير من المواعظ، كثير من الصدقات، كثير من أعمال الخير .. هذه -كالحال لدى باقي مسلمي العالم- هي مظاهر رمضان بين مسلمي الصين. أما صلاة التروايح فهي تصلى 21 ركعة، سريعة جدا، يُكتفى فيها بقصار السور، وبين كل ركعتين دعاء يترنم به المصلون جماعيا. وأما الزي التقليدي لمسلمي الصين -الذي يحرصون على ارتدائه أثناء الصلوات- فيشبه نسبيا ملابس الإخوة الأندونيسين مع “طواقي” بيضاء للعامة وعمائم باللون نفسه للأئمة.. وأما الطعام -الذي يتفنن الناس فيه عادة أيام رمضان- فيختلف بين مسلمي الصين أنفسهم تبعا لقومياتهم التي أكبرها قومية “هوي” وقومية “الإيغور”، فمسلموا الهوي يغلب الطعام النباتي والحار على مطبخهم، والإيغور يتميزون بفنون الشواء وصنوف اللحم.

المساجد في صلاة التروايح تمتلئ بالعُمّار، وفيهم نسبة كبيرة من الشباب. ولكل مسجد غالبا إمامان، أحدهما يُلقي المواعظ قبل صلاة العشاء والتراويح، والآخر يصلي بالناس، ويتناوبان في هذا يوما بعد يوم. في كل مسجد بلا استثناء مائدة إفطار يومي، يحضرها الإمامان وكبار جماعة المسجد الذين لهم كلمة نافذة في كل صغيرة وكبيرة من شؤونه.

المسجد الصيني الذي أصلي فيه أحيانا (الصورة لمدخله) مسجد مساحته ألفا متر تقريبا، على ضفاف نهر صغير، وفيه المصلى وغرفة لسكن الأئمة، وقاعة اجتماعات وفصول دراسية ومطبخ خيري وميضأة ومغتسل، هو  مكان متكامل لأداء وظيفة المسجد في الإسلام، وهذا ما يحاول الإمامان القيام به رغم قلة الموارد وعدم العضيد.

هناك مسجد -أو مُصلى- وحيد في بكين لا يختلف الوضع فيه عما اعتدنا عليه في السعودية، فيه يجتمع المسلمون -العرب خصوصا -داخل السفارة السودانية ، وفيه تقام  أيضا الجمعة والعيد، للتراويح فيه أيضا إمامان كلاهما حسن الصوت؛ تلاوة عذبة هادئة لا تكلف في، وهناك أصلي غالبا التراويح.

… أفتقد رمضان في الوطن..

جعلني الله وإياكم من المقبولين.

سنة ضوئية ..

السبت, 7 أغسطس, 2010

آمنتُ أن سنةً في الغربة كعشر سنوات مما تعدون.

في سنة الاغتراب –أو الاستشراق- هذه  أكملت الثلاثين، جاوزتها بمشاعر لا لون لها وإن كان لون البياض قد ازداد في شعر رأسي،  ولا أدري أتضاعفت خصلات المشيب أم أنها تلمع أكثر وتتكلم أكثر كلما تقدم ليل العمر واقترب فجر اليقين وعلا صخب الصمت.

شهدتُ فصول السنة كلها في بكين، أعني فصول السنة حقيقةً لا مجازًا؛ يورق الشجر، تصفّر أوراقه، ثم تسقط، لتورق كرّة أخرى. الشجرة تُجدد نفسها، تواجه كل تقلبات الزمان، تصمد جذورها في زمهرير يصل إلى 25 درجة تحت الصفر، ويتدرج إلى حرٍّ يُقارب 40 درجة مئوية، تقاوم أغصانُها حر الصيف وبرد الشتاء، تنكفئ في الخريف وتُزهر في الربيع. . إنها هي هي.. لا الجذور تفنى، ولا الجذعُ-مهما طاوع الفصولَ- ينكسر. لاعجب إذن أن يتحدث الوحي الإلهي عن هذه المشاهد المُتباينة الموحية، ليستشهد بها على عقائد الإيمان وحقائق الغيب ومواعظ الترغيب والترهيب، يُخاطب بها الوجدان ويُلامس شغاف القلب.

إن في الطبيعة صورًا لكل معنى ونقيضه، وبينهما تدرجٌ يُعلمنا أن في الحياة متسعا لكل شئ، فيها جمال وإيمان ويقين وأمل كما أن فيها بشاعةً واضطرابا وقسوةً وألما، فيها نُذر وبشائر، وفيها ما يٍُساعدنا دومًا على التوازن في كل فصول الحياة التي تُعلمنا أن نلعب تحت المطر ولا ننسى مظلاتنا في الجوار، نشكر الله في الرخاء ونلوذ به في الابتلاء، نرتجفُ ضعفا فنتدثر بدفء الإيمان، نتصبب حُزنا فنغتسل بحسن الرجاء، نتشقق جدبًا فنستسقي بجميل الصبر.. و”كل الأحزان تنتهي.. وكل الأفراح تنتهي” كما يقول المُفكر الإنسان عبدالوهاب المسيري.

وماذا علّمتني السنة الماضية أيضا؟ شخصيا؛ كان لتقلبات الفصول الأربعة ذاتها نسخًا ذاتية، أجدبتُ وتجمدتُ ودفئتُ وأورقتُ وظميت وارتويت، وبقايا “المناخ القاري” فيني تمنح كل فصل تطرفا من نوع خاص. لم أكمل الفصل الدراسي الأول من برنامج اللغة؛ ربما عزّ على جسدي ألا تجد روحي تفسيرا لتعثرها المكرور فحاول إمدادها بتوضيحات  وحُجج ملموسة؛ وكانت غرفة 241  وسريرها الأبيض الوثير وسيلتَه السانحة، استأنفتُ برنامج اللغة في الفصل الثاني ليتفهم الجسدُ الروحَ من جديد بطريقته الخاصة، فانقطعتُ من جديد بالوسيلة نفسها تقريبا (تغير التشخيص ورقم الغرفة ولون الجدران). خرجت من السنة الدراسية بشهادتين طبيتين فيهما تفاصيل كثيرة أقنعتْ كثيرين سوى حاملها. وسأبدأ بعد شهر برنامج الدكتوراه مباشرة باللغة الإنجليزية بلا عوائق إن شاء الله.

لم أتفاجأ كثيرا بواقع السعودين هنا وإن احتجتُ بعض الوقت لأتأقلم معه. نحن هنا  شريحة مقطعية لنا في الوطن، أو شرائح بالأحرى: مجتمع السفارة وملحقياتها، ومجتمع المدرسة السعودية ومعلموها، ومجتمع الطلاب المبتعثين؛ عوالم متابينة، أحاول أن أقف من الجميع على بُعد واحد،  ليس بيني وبين أحدهم حزازة ولا قطيعة، وليس لي بينهم صديق.. حالةٌ مُحايدة.. مُريحة نسبيا.. عَملية غالبا.

الحمد لله وحده؛ تحقق الكثير: تعلمت الكلمات المفتاحية الصينية.. اقتربت من ثقافة مذهلة، ورأيتُ عالما مدهشا ممتلئا بالحياة الأقرب لبساطة الإنسان ومعجزة الإنسان..  نجحنا في الحصول على قرار إلحاق زوجتي العزيزة حنان بالبعثة، ستبدأ دراستها الفصل القادم وستنال الشهادة بجدارة إن شاء الله..  هناك فرصة للتدريس في إحدى جامعات بكين.. زارني والداي الحبيبان، وأخواتي حنان وابتسام  -وأبناؤهن وبناتهن- وغدير، وأخواي فهد وفيصل، وعادوا جميعا قبل أيام مع زوجتي وأطفالي وهم سعيدون جدا بالبرنامح السياحي الحافل، كانت أياما جميلة خاصة أن والدي لم يزرني معهم في بريطانيا وفاجأنا بمجيئه للصين بعد أيام من وصول أمي ووفدها الكريم، سعدتُ به جدا وأرجو أن مجيئه أسعده، رغم تبرمه أحيانا من حلقات “الاتجاه المعاكس” التي لا تنتهي بيني وبين أمي الغالية.

وسلامتكم..

_______________

* الصورة من هنا

穆罕默德!

الثلاثاء, 25 مايو, 2010

آمل أن نظام التشغيل لديك يدعم قراءة الرموز الصينية لتستطيع قراءة اسمي في العنوان كما يُكتب باللغة الصينية.

لعل دراسة الرموز الصينية تُفسر تمسك الصينين بالرموز رغم صعوبتها البالغة.  إذ ليس في الصينية أبجدية، بل كل كلمة عبارة عن رمز -أو مجموعة رموز- تُحاكي الصورة الحقيقة للكلمة أو معناها، ثم تطورت عبر آلاف السنين لتنتهي إلى الرموز الصينية “المُبسطة!” السائدة حاليا. كل رمز -بلا استثناء- له تاريخ، وهي ليست رموزا عشوائية كما قد يبدو لأول وهلة، بل لكثير من الرموز جذر مشترك، كما أن كل كلمة مكونة من رمزين متلاصقين فإن أحدهما -غالبا- يشير إلى الجذر المعنوي والآخر يشير إلى طريقة النطق. أما طريقة الكتابة فإن لها أصولا وقواعد تُسهلها نسبيا، فعليك دوما أن تبدأ من الأعلى للأسفل، ومن اليمين إلى اليسار اليسار لليمين، ولكل خط في كتابة الرمز اسم… وهكذا.

أعترف إني ما زلت أعاني كثيرا في كتابة الرموز الصينية باليد، خاصة أن ذاكرتي التصويرية ليست على ما يُرام، لكني كلما تقدمتُ في دراسة الرموز الصينية وجدت فيها  شيئا من المتعة والتشويق، فالتأمل في محاكاة الرمز للمعنى لا يُبهرك بالتاريخ الكامن في تطور الرمز فحسب، بل يُطلعك على شئ من طريقة تفكير الإنسان ونظره لنفسه وللمشاعر وللأشياء حوله.  لنأخذ مثلا رمزا بسيطا 人 وهو يعني الإنسان، ألا يشبه إنسانا واقفا؟ .. ولو أضفنا عليه خطا أفقيا من الوسط لأعطى معنى كبير 大 كما يكبر حجم الإنسان حين يمد ذراعيه.

الأنثى 女 يأتي رمزها مع كلمات مثل “حسن/جيد 好 ، -كلما رأيت هذا الرمز أو كتبته تذكرت كتاب الدكتور الغذامي “الأنثى واللغة”- . أما كلمة صديق 朋友 نصفها الأيسر عبارة عن تكرار لرمز قمر، والنصف الأيمن يعني الوداد.. وكذلك الصداقة في أجمل معانيها؛ سمو وتقارب ووداد.

هناك كلمات صينية كثيرة جدا رموزها لا تحاكي صورة المُسمى، كرمز القمر مثلا، لكن لدى الصينين دوما تفسيرا لهذا إما بالإحالة على تاريخ تطور الرمز أو بربطه بالمعنى. نعم، لا يخلو الأمر من تكلف في نظري، لكن كثير من الرموز اليوم قد تغيرت حقا عن رسمها الأصلي مع تطور الحياة وكثرة المعاني الجديدة التي تحتاج لاسم/رمز، والاعتساف الذي تصر عليه معلمتي أحيانا لا ينفي أن في الرموز الصينية تاريخا عريقا وثقافة ممتعة، وهنا مثلا في جامعتي دروس مجانية إضافية لدراسة تاريخ الرموز الصينية لكنها لا تُعطى للأسف إلا لطلاب المستويات المتقدمة..

من يدري؛ ربما أكتب في يوم ما كتابا عن تاريخ الرموز الصينية وعن والفلسفة الكامنة فيها.. حتى ذلك الحين أرجو ألا يسألني أحدكم أسئلة عن طريقة كتابة كلمة ما؛ حتى لا تُحرج ذاكرتي التصويرية الهزيلة :)

_________________

الصورة من هنا

حديث المقاهي ..

السبت, 17 أبريل, 2010

حين أشرتُ لزميلٍ إلى كلمة إسرائيل وعلمها على الخريطة المُعلقة.. جاء محمد من إحدى زوايا المطعم “الشنجياني” .. مُسرعا وقلمه في يده.. شطب على كلمة إسرائيل ومزق مكان علَمها. محمد هذا،  شيعي من إيران.. التقيته صدفة في أحد مقاهي الجامعة في بكين.. طال جلوسنا فدعا زوجته؛ “طريفة” السُنية لتشاركنا الحديث.

سألني في لقائي الأول بهما: هل يسمحون لي بتعليق صورة إسماعيل هنيّة في المقهى؟ قلت وهل تملكها؟ قال نعم.. في بيتي صورة له وصور كثيرة للشيخ أحمد ياسين. قبل أن تضيف زوجته: “وصورة للرنتيسي أيضا” ..

المقهى الذي التقينا فيه أول مرة يملكه أخ فلسطيني.. كان من أنصار فتح .. واليوم يُعلق صور الشيخ أحمد ياسين على جدران مقهاه.. بعد أن هجر الحديث عن السياسة والسياسين، وعلاه الصمتُ وغزاه المشيب..

في بكين فلولٌ من الرفاق الفلسطينين.. . كثيرٌ منهم جاء إلى بكين بمنحة من الحكومة الصينية للدراسة في السبعينات.. فكانوا يدرسون نهارا ويدربونهم في المعسكرات ليلا.. قبل أن تُرفع الأحلام وتخونَ الذمم..

قال لي أحدهم: ” لا ترهن قناعاتك لرموز حية مهما عظمت، ولا تعجل في الحكم على الأفكار ولا الأشخاص” ..  ” … لا تُكثر الحديث على الملأ فالكلام إن خرج منك ملكك…” ، ” … عليك بالصمت حين يكون ما بك أكبر من حروف الأرض.. فالاختناق صمتا خيرٌ أحيانا من سكرات البوح” ..

يقولها العم عماد وهو ينفث زفير سيجاره الكوبي الذي لا يكاد يفارق شفتيه كآخر أطلال ماضيه الثوري، أو كصليبٍ يُعلقه نصراني يحتفظ ببقايا تدين رغم أنه لم يعد يعرف طريق الكنيسة ولا يثق بكل قساوسة الأرض ولا يُصدق رهبان الصوامع..

ربما كانت الأيام قد وعظتني بما يُردده العم عماد؛ لكنه وحديثه شاهدا عيان على الحال التي ينتهي إليها من لم يفهم ما يجري حوله؛  ليس لأني لم أؤمن بهذا ولكن ليطمئن قلبي، أو ربما ليزداد شجنا ..

حدثته مرةً عن النادل الصيني الذي دخل في سجال مع سائح إسرائيلي كان يجلس أمامي.. النادل يُصر على أن إسرائيل غاصبة.. والسائح الإسرائيلي لم يجد بُدا من الانسحاب من معركة اشترك فيها ضده التاريخُ والواقعُ والعنادُ الصيني. سألني العم عماد: “وماذا صنعتَ أنت؟” قلت له “لا شئ.. خفتُ من الإشكالات الأمنية فلم أتدخل.. واكتفيت بشكر النادل بعد رحيل الإسرائيلي” .. هزّ العم عماد رأسه.. قالت عيناه كلاما كثيرا.. وقد صدق !

لم أُحدثه عن محمد الإيراني ولا عن زوجته طريفة، ولا عن علم إسرائيل الذي علّقه سني جاهل ومزّقه شيعي عامي.  ربما كنت خائفا من قسوة تعليق العم عماد رغم أن الواقع قد أحبطه بما يكفي لضمان صمته عن حديث ٍ مشابه.. الشئ المؤكد أني سكتّ لأني خشيتُ كلام عينيه.

هذا بعض حديث المقاهي.. وما يقوله الصمتُ أكثر.

عام النمر الصيني ..

الأربعاء, 10 فبراير, 2010

لما دعا بوذا الحيوانات لتوديعه لم يأتِ سوى 12 حيوانا وأعرض الباقون، فكافأ بوذا المستجيبين له بتسمية الأعوام باسمائهم. هذه أسطورة تسمية السنوات في التقويم الصيني الذي ابتدأ قبل 4705 سنة، ويعتمد على دورات القمر، الدورة الكاملة للقمر تستغرق 60 سنة، في كل دورة 5 دورات صغرى، في كل واحدة منها 12 سنة، تبدأ بالفأر ثم -على الترتيب- الثور والنمر والأرنب والتنين والثعبان والحصان والخروف والقرد والديك والكلب والخنزير.

يوم السبت القادم 13 فيبراير 2010 هو أول أيام عام النمر، والصينيون يؤمنون بأن لكل عام تأثيرا عميقا على مواليده، لكن يبدو أن بعضهم صار يربط مؤخرا  بين الأعوام الصينية وبين الوضع الاقتصادي والسياسي للصين. عام النمر يأتي والعلاقات الأمريكية الصينية -مثلا- تعيش توترا متصاعدا [ صفقة الأسلحة الأمريكية لتايوان-مقابلة  أوباما والدالي لاما-الملف النووي الإيراني... الخ]. هل سيشهد عام النمر “تنمرا” صينيا؟  لست أدري، لكن الصين نمر قادم بالتأكيد.

الاحتفالات هنا بدأت بالفعل، الألعاب النارية تشتعل في كل وقت حتى في الصباح، والزينات في كل مكان.. العين تلتقط مشاهد البهجة والفرح، والقلب يسعد لسعادة الإنسان.

فلسفة صينية (1)

الأربعاء, 3 فبراير, 2010

IMG_1410

” … لأن طريق العلم طويل.. شاق ربما.. لكنه يرتفع بصاحبه فكرا وسلوكا وقدرا”

هذا ما قاله عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة “سان يات سن”، فرع مدينة “جوهاي” بجنوب الصين حين سألته عن سر تصميم إحدى الطرق الموصلة لمكتبة الجامعة كما يبدو في الصورة..

العمل التطوعي في الصين

الجمعة, 8 يناير, 2010

للصين تجربة رائدة  في العمل التطوعي، عرفها العالم عن قرب في ألمبياد بكين 2008 حيث بلغ عدد المتطوعين المسجلين قرابة مليون متطوع، خضعوا لساعات تدريبية ودورات قصيرة مكثقة في مجالات التطوع المختلفة. وقد نوقشت هذه التجربة في المنتدى العالمي للعمل التطوعي الذي أقيم في أبها العام الماضي.

عايشتُ مؤخرا  تجربة تطوعية جميلة أخرى في بكين خلال احتفال الصين بالذكرى الستين لتأسيس الجهورية الصينية الحديثة، إذ  سجلّت اسمي ضمن المتطوعين من طلاب الجامعات الذين يشاركون في ترتيب الاحتفالات وتنظيم السير ومساعدة كبار السن. صحيح أن ظرفا صحيا طارئا ألزمني المستشفى فلم أشارك إلا في الإعداد، لكن التجربة على قصرها كانت جميلة.

المفارقة الأليمة حينها هي أن احتفالات الصين تزامنت مع احتفالات السعودية باليوم الوطني. لكن الفرق كبير جدا بين دور الشباب هنا وهناك. في بكين رأيت الشباب -وحتى الكبار -يتطوعون بحماس، وبتشجيع رسمي وتنظيم مُذهل،  وفي السعودية رأينا جميعا آثار إهمال الشباب متجسدة ًفي ما جرى في الخبر، وفي كل مناطق الوطن كان الشباب يهيمون على وجوههم في الشوارع، وتتبدى مواهبهم في الغزل والتخريب، أو تُهدر على الفُرجة أحسن الأحوال!

العمل التطوعي مجال واسع لاستثمار طاقات الشباب ونفع المجتمع،  وهو مفهوم له بُعد شرعي يمنحه معنى سماويا نبيلا.  ما أبهجنا في جدة بعد كارثة السيول يُمكن أن يكون نواة رائعة لعمل تطوعي شبابي شامل. لا أعول كثيرا على الرئاسة العامة لرعاية الشباب و “خططها المدروسة”، بل أعول كثيرا على كل فردٍ فينا، وعلى مسؤولي المحاضن التعليمية والتربوية.  بإمكاننا تبني أعمال تطوعية يسيرة ننهض بها مع مع أقاربنا وجيراننا وأصدقائنا.

التقصير كبير،  لكن الأمل أكبر.

400-030-820

الأربعاء, 30 ديسمبر, 2009

بالأمس.. بعد أن أعطاني محاضرة طويلة في أضرار السهر وطول التفكر واضطراب النوم؛ أردتُ إيقافه عن حديثه الممل.. فسألتُ الطبيب المتخصص في العلاج الشعبي الصيني عن علاج للأرق.. تبسم أخيرا.. ثم أتى بكتاب نقل منه الأرقام التي في العنوان وأعطاني إياها..  لم أفهم في البداية مرامه حتى قال لي إن الصينين القُدامى توارثوا عن “كونفوشيوس” أن تكرار هذه الأرقام 15 مرة متتالية يجعل النعاس يداعب أجفان الإنسان.. تبسمتُ.. مع أن الطبيب بدا مقتنعا تماما بما يقول.. وأمضى وقتا طويلا يقنعني بأنها وصفة مُجرّبة عجز الطب الحديث عن مجاراتها مع وجود كل الدلائل على فاعليتها.

حين تصبح بعض الظواهر المُتعبة  مُحيرةً للإنسان فإنه يُفتش حوله عما يقاومها.. والأديان والعقائد وحتى الفسلفات الأرضية تُمده غالبا بما يبحث عنه.. وكثيرا ما ينفع المدد لأن الإيمان بصواب الشئ وقدسيته يجعل  فاعليته عالية جدا.. وكأن الجسد كله إنما يُترجم مُنى الروح وإيمانها.. وهذا ما قد يشرح لماذا يتشبث كثير من البشر الحائرين بأديان وفلسفات خرافية لكنها تُفسر لهم بعض ظواهر الحياة  وتُعينهم عليها، وإنْ لم تملك إجابات تُقنع الروح والفطرة عن سؤال ما قبل الخلق وما بعد الموت.

لم أُجرب وصفة الأرقام هذه.. فإن كنتَ كائنا ليليا مثلي، وإن كنتَ مُتبرما من الليل وسحر السكون فيه؛ فلن يضرك أن تُجرب الوصفة.. لكن عليك أن تقرأ الأرقام بالصينية تباعا 15 مرة : [ صّ لِن لِن - لِن سان لِن - با آر لِن ]  كل ثلاثة أرقام بنَفَس واحد.

نهرٌ لا يموت ..

الجمعة, 11 ديسمبر, 2009

IMG_1471

الصورة لنهر صغير في شرق بكين لطالما استهواني منظرُه ومشيت على ضفافه مُناجيًا ومُنصتا.. جئته اليوم وقد جمّد الصقيعُُ كل قطرة كانت تجري في عروقه.. بدا لأول وهلة أنْ لا حياة فيه؛ كأنما دهمه جليد الفُجأة.. وبقيت كل “الأشياء” التي تُحيط بالمكان لم تتغير.. لا المباني ولا الشوارع.. لا شئ..
لكن دقيقتي تأمل قالت الكثير: تجمّدُ وجه الماء لا يُميت “الحياة” فيه. الحياة الحقيقة تظل تنبض في الأعماق مهما جمّدها صقيعٌ قاسٍ لا مناص منه.. وأما زيف الأشياء فلا تجري عليه دورة الحياة أصلا.