حين أشرتُ لزميلٍ إلى كلمة إسرائيل وعلمها على الخريطة المُعلقة.. جاء محمد من إحدى زوايا المطعم “الشنجياني” .. مُسرعا وقلمه في يده.. شطب على كلمة إسرائيل ومزق مكان علَمها. محمد هذا، شيعي من إيران.. التقيته صدفة في أحد مقاهي الجامعة في بكين.. طال جلوسنا فدعا زوجته؛ “طريفة” السُنية لتشاركنا الحديث.
سألني في لقائي الأول بهما: هل يسمحون لي بتعليق صورة إسماعيل هنيّة في المقهى؟ قلت وهل تملكها؟ قال نعم.. في بيتي صورة له وصور كثيرة للشيخ أحمد ياسين. قبل أن تضيف زوجته: “وصورة للرنتيسي أيضا” ..
المقهى الذي التقينا فيه أول مرة يملكه أخ فلسطيني.. كان من أنصار فتح .. واليوم يُعلق صور الشيخ أحمد ياسين على جدران مقهاه.. بعد أن هجر الحديث عن السياسة والسياسين، وعلاه الصمتُ وغزاه المشيب..
في بكين فلولٌ من الرفاق الفلسطينين.. . كثيرٌ منهم جاء إلى بكين بمنحة من الحكومة الصينية للدراسة في السبعينات.. فكانوا يدرسون نهارا ويدربونهم في المعسكرات ليلا.. قبل أن تُرفع الأحلام وتخونَ الذمم..
قال لي أحدهم: ” لا ترهن قناعاتك لرموز حية مهما عظمت، ولا تعجل في الحكم على الأفكار ولا الأشخاص” .. ” … لا تُكثر الحديث على الملأ فالكلام إن خرج منك ملكك…” ، ” … عليك بالصمت حين يكون ما بك أكبر من حروف الأرض.. فالاختناق صمتا خيرٌ أحيانا من سكرات البوح” ..
يقولها العم عماد وهو ينفث زفير سيجاره الكوبي الذي لا يكاد يفارق شفتيه كآخر أطلال ماضيه الثوري، أو كصليبٍ يُعلقه نصراني يحتفظ ببقايا تدين رغم أنه لم يعد يعرف طريق الكنيسة ولا يثق بكل قساوسة الأرض ولا يُصدق رهبان الصوامع..
ربما كانت الأيام قد وعظتني بما يُردده العم عماد؛ لكنه وحديثه شاهدا عيان على الحال التي ينتهي إليها من لم يفهم ما يجري حوله؛ ليس لأني لم أؤمن بهذا ولكن ليطمئن قلبي، أو ربما ليزداد شجنا ..
حدثته مرةً عن النادل الصيني الذي دخل في سجال مع سائح إسرائيلي كان يجلس أمامي.. النادل يُصر على أن إسرائيل غاصبة.. والسائح الإسرائيلي لم يجد بُدا من الانسحاب من معركة اشترك فيها ضده التاريخُ والواقعُ والعنادُ الصيني. سألني العم عماد: “وماذا صنعتَ أنت؟” قلت له “لا شئ.. خفتُ من الإشكالات الأمنية فلم أتدخل.. واكتفيت بشكر النادل بعد رحيل الإسرائيلي” .. هزّ العم عماد رأسه.. قالت عيناه كلاما كثيرا.. وقد صدق !
لم أُحدثه عن محمد الإيراني ولا عن زوجته طريفة، ولا عن علم إسرائيل الذي علّقه سني جاهل ومزّقه شيعي عامي. ربما كنت خائفا من قسوة تعليق العم عماد رغم أن الواقع قد أحبطه بما يكفي لضمان صمته عن حديث ٍ مشابه.. الشئ المؤكد أني سكتّ لأني خشيتُ كلام عينيه.
هذا بعض حديث المقاهي.. وما يقوله الصمتُ أكثر.