إرشيف التصنيف: ‘نحو التغيير’

مشاهد المعصية ..

الجمعة, 27 أغسطس, 2010

… فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظةُ والقسوةُ والكيفيةُ الغضبية التي كانت عنده لمن صدر عنه ذنب حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا عليه أن يُهلكه الله ويأخذه، فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء …
فإذا جرتْ عليه المقادير ، وخُلّي ونفسَه، استغاث الله ولجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم (الملدوغ)، ودعاه دعاء المضطر؛ فتبدلت تلك الغلظةُ على المذنبين رقةً، وتلك القسوةُ على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله، وتبدل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل له وظيفةً من عمره: يسأل الله أن يغفر لهم …

… ثم مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله؛ فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقارا إلى ربه ووليّه، ومَن بيده صلاحُه وفلاحُه وهداه وسعادتُه.
وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارةُ حقيقتَها وإنما تدرك بالمحصول: فيحصل لقلبه كسرةٌ خاصةٌ لا يشبهها شئ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شئ فيه و لا به ولا منه، ولا فيه منفعةٌ ولا يُرغب في مثله، وأنه لايصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه … وذرةٌ من هذا أو نَفَسٌ منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم …

_______________________

العنوان والاقتباسات من “منزلة التوبة” في كتاب “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” لابن القيم، النسخة المهذبة.

صدمات الرموز .. والصمت الجميل

الخميس, 3 يونيو, 2010

IMG_2838

لا يحسن التعويل على الأحياء لأنه أمر يستنزفنا ما بين الحاجة إليه والخوف منه؛ إلا أنني لا أستطيع إخفاء الشعور بالإحباط من موقف بعض رموزنا المحلية، ليس في أحداث مجتمعنا والعالم من حولنا بل حتى في ترتيب أولوياتهم واهتماماتهم، وعدمِ إدراك بعضهم للعبة الإعلام التي يُديرها مَن لا همّ له سوى ضرب المجتمع بعضه ببعض ليضيع صوت المستضعفين وتُنسى المظالم في زحام الاشتباكات.

بعضنا ربما يرى ضرورة هدم الرموز القائمة لكني أظن أن هاجس “هدم” صروح الآخرين عموما هو مما أخرّنا وأشغلنا كثيرا، وانظر حولك تجد أن موضوعات “الهواش” والهدم والهدم المضاد هي الأكثر رواجا وتفاعلا. مع أن بعض ما نختلف عليه -أو نُصدم به- هو مما لا يستحق المواجهة ولا التطاحن ولا الهدم، إما إحسانا للظن وإما اهتماما بالنفس قبل الآخرين.
نعم، ما نراه من صدمات ربما يظل يستفزنا حتى لا نفكر أحيانا في شئ سوى الهدم، ولا شئ قبل الهدم؛ لكننا لو أننا روَضنا عنفوان القهر فينا لرأينا في الأفق ألف أرض/قلب تنتظر البناء والاحتواء.

لست ملزما دوما بالهدم قبل البناء مادام في الأرض منبسط ومتسع لبنيان جديد..
وبعض ما هو قائم سيتهاوى لوحده بلا أدنى جهد يحسن توفيره لمجالات أولى..
وحتى عامة الناس صاروا يميزون بين الذهب والنحاس..
أسس بنيانك على تقوى من الله ورضوان، ولا عليك من بنيان سيهوي قريبا؛ فإنه على شفا جرف هار..

سيأتي عليك يوم تعتاد فيه الصدمات، ستمنحك مرارتُها مناعة -وصلابة ربما- لا تقيك الألم لكن لعلها تُخففه.

وأما الصمت، صمتنا أو صمتهم، فربما يكون نأيا بالنفس عن مسرح الجريمة، لكيلا تتلطخ قمصانُ القناعات بــ “دمٍ كذب” نتمنى بعدها لو أننا قلنا “فصمتٌ جميل” ولم نخض مع الخائضين.
الصمت هو بُعدٌ عن مرآة الأحداث قليلا لتُرى ملامح الوقائع على طبيعتها بلا تحديب ولا تقعير.
الصمت قد يكون عجزا حتى، جُبنا، يأسا، خيبة.. لكن لا أحد يكاد يختاره؛ فصمت الشجي شهيقٌ بلا أكسجين.

_____________________________

* الصورة من شرفة غرفتي في مدينة كاندي  سريلانكا 2006

اختطاف بالتراضي ..

الأربعاء, 24 فبراير, 2010

لدى الشركس عادة في الزواج، فالعُرف لديهم  قد يُجبر الشاب على أنه حين يهوى فتاة ويريدها زوجة له، وهي تهواه وترضاه ؛ فإنه يختطفها – ولطريقة الخطف وما بعده روايات تتباين قليلا-، ثم على  الخاطف/الخاطب أن يذهب بالحبيبة إلى بيت أحد معارفه أو بيت أحد الوجهاء، ولا يمسها أبدا ولا يقربها حتى تُستكمل الخطوات حسب التقاليد ويُعلن العقد ويُقام الزفاف. هذه العادة ما زال معمولا بها حتى اليوم في بعض العائلات الشركسية المسلمة.

لو كنتُ شركسيا وعلمتُ أن رجلا كفؤا يحب إحدى بناتي -العنود أو سديم- وهي تحبه  لاختطفته لها بنفسي !

العمل التطوعي في الصين

الجمعة, 8 يناير, 2010

للصين تجربة رائدة  في العمل التطوعي، عرفها العالم عن قرب في ألمبياد بكين 2008 حيث بلغ عدد المتطوعين المسجلين قرابة مليون متطوع، خضعوا لساعات تدريبية ودورات قصيرة مكثقة في مجالات التطوع المختلفة. وقد نوقشت هذه التجربة في المنتدى العالمي للعمل التطوعي الذي أقيم في أبها العام الماضي.

عايشتُ مؤخرا  تجربة تطوعية جميلة أخرى في بكين خلال احتفال الصين بالذكرى الستين لتأسيس الجهورية الصينية الحديثة، إذ  سجلّت اسمي ضمن المتطوعين من طلاب الجامعات الذين يشاركون في ترتيب الاحتفالات وتنظيم السير ومساعدة كبار السن. صحيح أن ظرفا صحيا طارئا ألزمني المستشفى فلم أشارك إلا في الإعداد، لكن التجربة على قصرها كانت جميلة.

المفارقة الأليمة حينها هي أن احتفالات الصين تزامنت مع احتفالات السعودية باليوم الوطني. لكن الفرق كبير جدا بين دور الشباب هنا وهناك. في بكين رأيت الشباب -وحتى الكبار -يتطوعون بحماس، وبتشجيع رسمي وتنظيم مُذهل،  وفي السعودية رأينا جميعا آثار إهمال الشباب متجسدة ًفي ما جرى في الخبر، وفي كل مناطق الوطن كان الشباب يهيمون على وجوههم في الشوارع، وتتبدى مواهبهم في الغزل والتخريب، أو تُهدر على الفُرجة أحسن الأحوال!

العمل التطوعي مجال واسع لاستثمار طاقات الشباب ونفع المجتمع،  وهو مفهوم له بُعد شرعي يمنحه معنى سماويا نبيلا.  ما أبهجنا في جدة بعد كارثة السيول يُمكن أن يكون نواة رائعة لعمل تطوعي شبابي شامل. لا أعول كثيرا على الرئاسة العامة لرعاية الشباب و “خططها المدروسة”، بل أعول كثيرا على كل فردٍ فينا، وعلى مسؤولي المحاضن التعليمية والتربوية.  بإمكاننا تبني أعمال تطوعية يسيرة ننهض بها مع مع أقاربنا وجيراننا وأصدقائنا.

التقصير كبير،  لكن الأمل أكبر.

آزدان .. آزدان ..

الثلاثاء, 10 نوفمبر, 2009

freedom

عندما تسمع أحدًا يُكرر كلمة [ آزدان ] فاعلم أنه داغستانيٌ من قومية الآفار –أكبر قوميات الداغستان-، واعلم أيضًا أن معناها لا يكون سوى : [ الحرية] أو [ الإنسان] ؛
وإذن فليس عسيرًا على أحدٍ أن يفهم لمَ يتأبى الداغستانيون على الاستعباد والطغيان، ولِمَ تكسرت أنيابُ الظلمة على صدور قومٍ الإنسانيةُ لديهم تكاد تكون وجهًا “حيًا” للحرية؛ لا معنى لأحدهما بدون الآخر.. قد تشربوا ذلك في أغنيات الطفولة، ومع حليب الأمهات، وعلى سفوح القفقاس: أن “آزدان” هو “آزدان”.

حتى عندما جثمتْ الشيوعيةُ على أرض الداغستان فإنها لم تسلك سبيل الاستعباد أول مرةٍ، بل دغدغتْ عواطفَ الناس بلمسات الحرية، وغنّت على أسماعهم أهازيجَ المساواة، وخلبتْ نواظرَهم ببريق العدل الموعود؛ فخُدع كثيرُ من الناس واعتنقوا الشيوعية حينها عن قناعةٍ؛ لا عن خوفٍ ولا عن استخذاء.

لكن ما الذي يحدث عندما يطول أمد ُالاستعباد على قوم؟!
أيُّ “مسخٍ” يُمارسه الاستعبادٌ على “جينات” الحرية في أمةٍ تعاقب عليها الليلُ والنهارُ آمادًا عاث الطُغيانُ خلالها في حرياتهم فسادًا؟!

وقائعُ التاريخ ومُجرياتُ الواقع تُحدثنا: إن للاستعباد –حينما يتطاول- طبائعَ أشدها سوءًا أنه يسلب من الناس جوهرَ الحرية وجواهرَها، ويغرس حرابَ الخوف في قلوبهم؛ حتى ما يعود للحرية ولا للأَنَفَة نبضٌ ولا حياة. هكذا يصنع الاستعبادُ والطغيانُ حينما يستحكم طويلاً؛ يهزأ بــ “قوانين مندل” في الوراثة، ويُمارس على شعوبٍ بأكملها تجاربَ بغيضةً من “الهندسة الوراثية”؛ تُستعبد فيها الفِطَرُ حتى يتوق الضحيةُ إلى سياط جلاده، وحتى يُخيل إليك أن الأمة كلها تكاد تكون حاملةٌ لنسخةٍ واحدة بئيسة من حمض الــ DNA ، ليس في تركيبته “جِينٌ سائدٌ” أبدًا، بل كل جيناته “مُتنحية” مغلوبةٌ على أمرها..

وفي التاريخ مصداقٌ لكل هذا؛ فإن بني إسرائيل قد طال عليهم أمدُ الاستعباد تحت نير فرعون وجنودِه، حتى إذا ما جاءتْ أقدارُ الله برياح الحرية، وأراهم اللهُ مَهْلِكَ مَن كان يسومهم سوء العذاب، وقيل لهم ادخلوا الأرض المُقدسة التي كتب الله لكم وأنتم موعودون بنصرٍ كالذي كان يوم الإغراق، وقيل لهم: ادخلوا فإنكم غالبون؛ عندئذٍ نشطتْ فيهم خلايا الخوف والجُبن، وفعلت طبائعُ الاستعباد فعلتَها فيهم حتى ما تلاشتْ من أذهانهم ملامحُ “الحرية”، وتعاظم في عقلهم الباطنِ مشهدُ الخوف.. ثم كانت النتيجةُ أن قالوا بلهجة الضعيف الخوّار مُنتكسِ الفطرة: [إن فيها قومًا جبارين ] .. وبعد أخذٍ وردٍ مع رجلين كان فيهما بقيةٌ باقية من فطرة لم يعبث بها الطغيان، عادوا فقالوا –وقد بلغت طبائعُ الاستعبادُ ذروة نشاطها-: [ إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون ] !

وعندما يبلغ شعبٌ هذا المبلغ من الذل فإن استصلاحه مُتعذرٌ؛ إلا أن يشاء الله له أن يستعيد فطرتَه السليبة.. ولا يكون ذلك –ولله المشيئة المُطلقة- إلا بأسبابٍ تبعثُ الحرية من مرقدها، وتوقظُ العزة من سباتها، وتنفخُ في الصور لتنهض أجداثُ الكرامة ليوم نشورها .. واللهُ –سبحانه- يعلم من بني إسرائيل فسادَ فطرتهم المُستعصية على الاستصلاح؛ فعاقبهم بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.
ولعل في ذلك حكمةً بالغةً؛ أن يفنى الجيلُ الذليل، وينشأ سلفُهم في البيداء؛ يستلهمون من أفقها الرحيب معنى الحرية، ويستمدون من مرأى الأفلاك علوَ الهمة، وينتشون كل يومٍ مع نسمات الفجر صفاءَ الفطرة الإنسانية التي جبلها الله على ألا تُستعبد إلا له سبحانه.. فكان المآلُ أن عادت فطرُ الأسلاف إلى طبيعتِها، ومضى جيلُ الأحرار الجديد إلى أبواب القدس؛ فافتتحوها:

يقول ابنُ كثير في تفسيره:

[ ... ومات أكثر بني إسرائيل في تلك المدة، ويُقال إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب .... فلما انقضت المدة سار بهم يوشع بن نون عليه السلام –أو بمن بقي منهم- وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني؛ قصد بهم بيت المقدس فحاصرها ، فكان فتحُها يوم الجمعة بعد العصر ...]

إن الحرية قيمةٌ إنسانيةٌ عُظمى، وإن جناية الطُغيان ليست في البطش ولا في الحبس ولا في القتل -مادام في القلب حريةٌ تنبض وإيمانٌ يتدفق-؛ إنما جريمتُه الكبرى أن يعبث بفطر الناس، وأن يحقن في أوردتهم “أمصالَ” الاستخذاءِ والضعفِ والاستعبادِ؛ يرثونها ذليلاً عن ذليل.. فما يكاد أحدٌ منهم يميز حلاوةَ الحرية من علقم العبودية.

من أجل هذا؛ فإن المُصلحـ/ـة والمُربيـ/ــة والداعية يرتكب جنايةً في حق شعبه والمُتربين على يديه حينما يبدأ بتعليمهم شيئًا قبل التوحيدِ والانعتاقِ من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.. أو حين يسوغ للطغيان بطشَه.. أو حين يُبالغ في الثناء على ظلومٍ قد علم الناسُ كلهم ظلمَه.. فإنه إن فعل كان شريكًا في جريمة القضاء على “الحرية” غفلةً منه أو خوفًا .. أو خيانة!

ليس معنى هذا أن تُشَقَّ عصا الطاعة، ولا أن يُحرَض الناس على الخروج في وجه الظالم المُقيم شعائرَ الدين، ولا أن تُستباح دماءُ الناس وأعراضُهم وأموالُهم في” ثوراتٍ” و “انقلابات” لا تجلب سوى الدمار وخرابِ الديار. كلا؛ إنما هي دعوةٌ إلى أن ينهض العلماءُ والمُربون والمُصلحون بمسؤولية فتحِ النوافذ لنسائم الحرية العذبة، وتعليمِ إخواننا وأخواتنا أبنائنا -والناسِ أجمعين- حقيقةَ أن الطاعةَ للظالم والسكوتَ عن المظالم تفاديًا لما هو أسوأ إنما هو دينٌ يُتقرب به إلى الله سبحانه صبرًا وإيمانًا، وأنه عبوديةٌ لله لا لأحدٍ من خلقه،
و أن “آزدان” هو “آزدان”..

_________

* الصورة من هنا

لئلا يكون الزواج قمارا .. (4/4)

الإثنين, 22 يونيو, 2009

التواصل قبل الزفاف .. لم لا ؟

مرّت الإشارة إلى أن مدى التفاهم بين الشريكين يدور حول أمرين: فهم الاحتياجات والأولويات، والقدرة على التفاهم حين الاختلاف. والحقيقة أن اختبار كلا الأمرين صعبٌ قبل الحياة الواقعية، خاصةً إن تعذر جلوس وسيط خبير مع الطرف الآخر.

لكننا نملك في رأيي هامشًا من التجربة يتيحه التواصلُ بين الزوجين قبل الزفاف. وأعني به التواصل بالمكالمات أو على الأقل بالكتابة في رسائل الجوال أو الإيميل. ورأيي بصراحة هو أنه لا مانع من السماح للخاطب أن يتصل بخطيبته حتى قبل المِلكة ، مادام جادًا في طلبه، متقدمًا بشكل رسمي، قد جاوز مرحلة السؤال عنه والتأمل في مناسبتهما لبعضهما. وليس شرطًا أن يطول التواصل بعد الخطبة وقبل العقد؛ المهم هو محاولة تكوين صورة مُقربة لكل طرفٍ عند الآخر. وليس ضروريًا أن يعلم القاصي والداني باتصالهما ببعضهما، بل ليس مهمًا أن يعلم حتى أقرب الأقربين، يكفي فقط أن يعلم أحد المحارم بالأمر.

وإن تعذر التواصل قبل العقد لتحفظ أحد الطرفين شرعًا أو لصعوبته عُرفًا فلا أقل من التواصل بعد العقد، وهو الأمر الذي أرى أنه لا يسوغ التنازل عنه، كما أرى أنه ينبغي أن يطول حسب الحاجة، وألا يتعجل الطرفان في الزيجة قبل التواصل المريح بينهما بعد المِلكة.

الفائدة من فترة التواصل قبل الزفاف -إضافة إلى الذكريات الجميلة التي تتركها- هي معرفةُ قدرة كل طرف على فهم الآخر، وتقبله، وتفهم احتياجاته، وكيفية التعامل معه حين الاختلاف.. هذا كله يُمكن الإحساس به من وراء الهاتف، في نبرة الصوت، وطريقة الخطاب، ونوعية العبارات، بل حتى السكوت أحيانًا؛ كما أن السواليف الأريحية قد تُعطي انطباعًا جيدًا عن الطرف الآخر، كيف يتصرف -مثلاً- في المواقف المختلفة. هذا فيما يتعلق بفهم الاحتياج وتقبله. أما الاختلاف فربما يخوض الاثنان مع الوقت تجربة اختلاف أولى -كالخلاف على ميعاد الزواج أو تصميم صالة الجلوس مثلا-، ويعرف كل طرفٍ كيف يتعامل شريكه معه حين الاختلاف، وكيف يتعامل مع المشكلة نفسها.

أعلم أن المكالمات الهاتفية ربما تكون مُغرِقةً في المثاليات وبالعواطف الجياشة، وأنها -أحيانًا- تجعل الحياة الواقعية بين الزوجيين صعبة لأنهما قد يتفاجآن بغير ما كان يظهر قبل الزفاف؛ لكن المشكلة هنا ليست في مبدأ المكالمات بل في طريقتها، والحديث عن الطريقة المثلى للتواصل بين الطرفين قبل الزفاف حديث طويل؛ لكني باختصار أحسب أن الشاب الواعي والفتاة المتميزة -وهما المعنيان بالمقال قبل أي أحد- لن يغرقا في بحر عاطفتها وينسيان الهدف الأول من المكالمات وهو التعرف قدر الإمكان على شخصية شريك المستقبل، ومعرفة مدى تفاهمهما، وقدرتهما على إدارة خلافاتهما.

وأعلم أيضًا أن بعض العوائل ترفض تمامًا فكرة التواصل قبل الزفاف، لكن في رأيي أن الالتفاف على ممانعتهم ممكن، وقد جُرّب هذا أيضًا بالتنسيق بين الطرفين بعلم أحد العقلاء من أهل الفتاة خاصة، وسارت الأمور على ما يرام، وكانت النتائج بفضل الله رائعة.

وأعلم كذلك أن بعض الخاطبين -للأسف الشديد- قد لا يطلب التواصل مع خطيبته لا قبل العقد ولا بعده، وأنه من العسير على الفتاة أن تطلب هذا لأن جرأتها هنا قد تُحسب عليها، خاصةً إن كان الخاطب ضيق الأفق ويرى في طلبها جرأة غير محمودة أو يستنتج منها غير المراد، وهذا بصراحة قد يحدث، لكن -مرة أخرى- يُمكن للفتاة في رأيي أن تتفادى الإشكال في هذه الحالة؛ بالتنسيق مع أحد أقاربها الرجال، بأن يقترح قريبُها على الخطيب أن يسعى بينهما لتوافق هي على اتصاله بها، حتى يبدو الأمر في النهاية وكأن المبادرة من الخاطب لا من الفتاة، ولتحفظ عرضها وسمعتها من أن يناله سوء ظن أو تهمة. وهذا أيضًا مما جُرّب فأجدى.

لئلا يكون الزواج قمارا .. (4/3)

الإثنين, 22 يونيو, 2009

التفاهم لا التطابق!

في رأيي أن التفاهم بين الطرفين أهم من التطابق. كلا الأمرين مهم بلا شك، لكن التشابه الكامل ربما يكون سببًا في الصدام والنزاع والنفرة [ القطب الموجب مع الموجب يتنافران!] أما التفاهم فلا سلبية فيه ولا “أعراض جانبية”.

ومعايير التفاهم في رأيي إجمالاً اثنان:
أولهما: فهم الشريك لاحتياجات شريكه [العاطفية والفكرية في وقتنا خاصة] ولأولوياته في الحياة. وهذا قد لا يحدث بالضرورة بين كل شريكين متطابقين. والمقياس الثاني: التفاهم عند الاختلاف، وكيفية التعامل مع المشكلة حين حدوثها، والقدرة على احتوائها مهما كانت كبيرة، وقبل هذا وبعده طريقةُ التعامل مع الطرف الآخر أثناء احتدام الخلاف.

التفريق بين التفاهم والتطابق دقيق ومهم؛ لئلا تجعل الفتاة الطموح -مثلاً- لنفسها “مِنخلاً” من ذاتها، تُرشح من خلاله المتقدمين لها تبعًا لتوافقهم الظاهري مع اهتماماتها وتطلعاتها ورسالتها في الحياة. فلربما بدا المتقدم لها غيرَ مهتمٍ بما تهتم به، لكنه مناسبٌ إجمالاً لها و”يتفهم” أولوياتها ويؤيدها ولا يعارضها مطلقًا، كما أنه قد يكون محتويًا للخلاف ماهرًا في التعاطي معه. ومثل هذا كثير ومشاهد، ويٌمكن الاستيثاق منه عند العمل بما سأحاول شرحه في الجزء التالي…….

لئلا يكون الزواج قمارا .. (4/2)

الإثنين, 22 يونيو, 2009

الأنسب.. لا الأفضل..

كانت خديجةُ رضي الله عنها أولى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأم أبنائه، ولم يتزوج عليها، بل أحبها وأحبته حبًا جمًا، حتى كان عليه السلام يُحسن إلى صاحباتها ويدنيهنّ، وما غارت أم المؤمنين من إحدى زوجاته كما غارت منها، لما رأته من حبه لها ولذكراها.

لكن لنتأمل قليلا في مواصفات خديجة رضي الله عنها حين أراد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يتزوجها. لننظر في العمر مثلا، كانت أكبر منه بخمس عشرة سنة، أي أنها افتقدت معيارا مهما جدًا في قائمة المواصفات والمقاييس السائدة لدينا اليوم. ومع ذلك كان بينهما ما كان من حب صادق وعِشرة بالمعروف،

لم؟ أستطيع القول بكثير من التردد أنها رضي الله عنها كانت الأكثر مناسبةً له، وإن لم تكن الأفضل في عيون الناس.. كانت حضنًا دافئًا للحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو الذي نشأ يتيمًا وكبر وحيدًا، وكان محتاجًا إلى زوجة بمواصفاتها لتغدق عليه حنانها الذي اختزنته بقدر الله طوال السنين. والله أعلم.

أريد أن أقول: إن بعضنا يخضع لوهم أن المواصفات والمقاييس المجتمعية هي دائمًا المعيار الذي يوزن به الخاطب. والواقع أن معايير الناس السائدة مهما كانت فإنها قد لا توافق طموحنا. فمن المهم إذن البحث عن الأنسب لا الأفضل في عيون الناس. ومعيار المناسبة يتفاوت من شخص لأخرى بالطبع، لكن من حق كل طرف أن يطلب في شريكه ما هو أولوية له؛ وإن كان في معيار الناس ليس كذلك. لا أقول هذا للشاب المتحمس ولا للفتاة الطموح فقط، بل من حق كل إنسانٍ أن يُحدد ما يناسبه ويناسب، مهما كان المعيار في نظر الآخرين تافهًا، إذ ليس الحل في اغتيال أحلام الشباب والفتيات، بل في توعيتهم قدر الإمكان بما يتوافق عليه الناس من صفات، ثم يُترك الخيار لهم في النهاية ليُحددوا ما يناسبهم ما دام معقولاً. أما إن كًنّا لا نثق في وعيهم ولا حسن نظرهم أبدًا فلمَ يُزوجون إذن؟

إن الخطورة تكمن أحيانًا في أن بعض العوائل يبحثون لابنهم وبنتهم عن الأفضل في رأيهم هم، وما يدرون أن هذا ظلم لهم وهم لا يشعرون، خاصةً أن اختيار الشاب بنفسه لنفسه صعب، وأن اختيار الفتاة لنفسها بنفسها في مجتمعنا أصعب؛ فالعبء هنا مُلقى على أهل الشاب وعلى أهل الفتاة، والمسؤولية عليهم أن يجتهدوا في انتقاء الأنسب لا الأفضل.

والأساليب هنا كثيرةٌ تبدأ بفهم الأهل طبيعة ابنهم/ابنتهم، ولا تنتهي بالجلوس المكرور مع الطرف الآخر المراد خطبته أو الموافقة عليه لمعرفة طبائعه قدر الإمكان، وهذا قد يبدو في البداية متعذرًا أو صعبًا، لكنه جُرَّب فنجح ولله الحمد. أعتقد أن بإمكاننا التنبؤ بمدى مناسبة فلان لفلانة ما دمنا مؤمنين بهذه القناعة، وما دمنا نملك القدرة والجرأة على التحقق منها من البداية.

نعم، قد لا تجد الفتاة خاصةً من أهل بيتها ولا من بعض محارمها من يقتنع بأهمية الجلوس المتكرر “غير الرسمي” مع الخاطب، ولا من يؤمن بضرورة البحث في مدى ملائمته لها بدلا من التركيز على مطابقته للمواصفات والمقاييس الشائعة؛ لكني أوقن أن الأمر يستحق من الفتاة أن تطلب ممن تثق فيه ويعرفها أن يجلس إلى الخاطب، بدون إثارة إشكال مع أهلها الأقربين. فالقضية تستحق، والثقات من الأقارب والمعارف موجودون بحمد الله.

أما الشاب فلا حيلة له إلا اللجوء إلى من يثق في رأيها من معارفه، لتجلس مع الفتاة المُراد خطبتها لتحادثها حديثًا “بنّاتيًا” غير متكلف ولا مصطنع قدر الإمكان، على أن تكون القريبةُ ممن تعرفه عن قرب، وتستطيع التنبؤ بمدى مناسبة الفتاة المخطوبة له ولطباعه وتطلعاته.

يُتبع إن شاء الله

لئلا يكون الزواج قمارا .. (4/1)

الإثنين, 22 يونيو, 2009

لا أظنني محتاجًا للتقديم بكلامٍ طويل عن الفرق بين الماضي القريب وبين واقعنا في طرائق الزواج -في السعودية ومَن تأثر بثقافتنا تحديدًا-. فليس عسيرًا ملاحظةُ أن التغيير الحاصل في المجتمع ظهر أثرُه على العلاقات الزوجية لكنه للأسف لم يؤثر على طرائقنا في اختيار الزوجة ولا الموافقة على الخاطب.

الزواج في السابق كان غالبًا بين أقرياء، أو جيران، كان الزوجان في معظم الأحوال يعرفان بعضهما -أو عن بعضهما- الكثير. أما اليوم فالوضع لاشك مختلف، لكن بقيت طقوس الخطبة والزواج هي هي؛ مع أن الاحتياجات قد تغيرّت بتغير نمط الحياة، و سقف الكفاية الذاتية قد ارتفع كثيرًا، فصار لزامًا علينا التفكير في أساليب جديدة وقناعات مناسبة توازي التغيرات الحاصلة.

ثم إن الرجال في السابق -مثلا- كانوا غالبًا مشغولين بلقمة العيش، لا يجلسون طويلاً في بيوتهم، ولربما غابوا عنها سنين عددًا. والزوجة كانت تلهث وراء الاحتطاب والطبخ والحصاد، ولا وقت لديها للتفكير الطويل في ذاتها ولا احتياجاتها العاطفية والفكرية. فكان يكفي كل طرف من الآخر الحد الأدنى من العلاقة وتلبية الاحتياج الذي تتشارك فيه كل ذكر وأنثى في الكون. أما اليوم فالحال تغيّر كثيرًا، فالفتاة عند أهلها غالبًا عزيزة مكرمة لا تحتاج إلى زوجٍ يؤيها أو ينفق عليها، والزوج عند أهله مخدوم ومحشوم. وحتى بعد الزواج فإن الخادمات والمطاعم والسائقين صاروا يقومون بكل ما كان سببًا ربما في ترابط الأزواج في السابق، ومواريًا لكل الخلافات الكامنة في الأعماق وهو اليوم منعدم. لأجل هذا كله بدأت تظهر الإشكالات اليوم في العلاقات الزوجية على السطح، لأن الاختيار والموافقة لم يُراعَ فيه هذه التطورات، ولا كلفنا أنفسنا عناء التمرد الهادئ تلبيةً للاحتياجات التي اختلفت، وتوافقًا مع قائمة الأولويات التي تبدلت.

إن السعي نحو زواج ناجحٍ قائمٍ على اختيار متأنٍ ليس نوعًا من الترف العاطفي، بل هو في رأيي عين العقل الذي يُبصر المجتمع يمور بتغيراتٍ لا يتماهى معها تغيرُ طقوس الزواج التقليدي. والنتيجة هنا أشبه بزلزال مدمر يحدث حين تتحرك صفيحة أرضية بأسرع من صفيحة أخرى فيحدث زلزالٌ ويحلّ الدمار، وهل مجتمعنا إلا صفائح من بشرٍ يتطور ومجتمعٍ يتوسع واحتياجاتٍ تتزايد؛ إن تحركتْ إحداها بسرعة والأخرى تلكأتْ كانت المشكلة؟ الواقع يقول إن المجتمع -أو بعضه على الأقل- قد صار ينظر إلى الزواج بعينٍ تختلف عن عيون الآباء والأمهات، الاحتياجات صارت مختلفة، فلا معنى إذن وراء الإصرار على شاشة “الأبيض والأسود” بينما شبابُنا وفتياتُنا يتسمرون أمام مشاهد ” ملونة” زاهية، تتراءى فيها نماذج ناجحة لزيجات كان الاختيار فيها أساسَ نجاحها، فهل ننتظر “استيراد” النموذج التحرري للاختيار لأننا قد منعنا “تصنيع” نموذج شرعي مناسب، وكأننا -بجمودنا- قد منحنا المستوردَ على علاتَه تذكرة مرورٍ وأسبابَ انتشار؟

سأحاول الاختصار قدر الإمكان، معترفًا بأن الخوض في موضوعٍ كهذا قد يفتح باباً للتأويلات والتخمينات عن كاتبه وعن حياته الخاصة، لكن مما يهون هذا الإشكال أن الكتابة على الملأ تعني احتمال الضريبة. كما أن التخمين عن الحال والتأويل للمقال هو مما لا يسلم منه كاتب في أي شأن فكيف بموضوع كهذا. لكن الأثقل هو حساسية السير بالكلمات وسط حقل ألغام الأفهام، وعجز الاحترازات أحيانًا عن النأي بالقرّاء بعيدًا عن فخ التعميم، فلكل قصة أبطالها، ولكل حكاية شخوص، ولكل مقام مقال. لكنها إشارات عابرة لأولئك الذين لا يريدون أن يكونوا نسخة مكرورة بئيسة لما يرونهم حولهم من زيجات ماتت قبل ميلادها..

نعم؛ ستظل احتمالات الفشل في الزواج قائمةً مهما كانت طريقة الاختيار، لكن علينا بذل الوسع لتكون أسباب الفشل -لا سمح الله- محدودة بما لا وسع لنا فيه.. محصورة فيما لا طاقة لنا به.. ولله في ذلك كله الحكمةُ البالغة؛ أمّا ونحن نملك التقليل من نسبة التعثر، أمّا ونحن نملك “الاختيار”؛ فهنا يحسن أن يكون لنا وقفة وقرار…”
لئلا يكون الزواج قمارًا!

يُتبع ….

* الصورة من التقاط ضياء أنثى في منتدى المعالي.. لها كل التقدير

مسرحية العرائس المتحركة

الأربعاء, 10 يونيو, 2009

كان السجالُ بين علمائنا ودعاتنا والإعلام -في نظري- مشهدًا في مسرحية “عرائس متحركة”، تجري فصولها الرتيبة على خشبة المجتمع والإعلام. يُطلَق العنان لمن يهاجم الرموز الشرعية من جهة، ثم يُسمح للدكتور النجيمي- مثلا – أن يردّ بقوة.. يكتب أحدهم عن قيادة المرأة للسيارة أو عن الاختلاط ليستدرج الجهود والأقلام إلى جولة طويلة من نقاش حاد يُخيل إليك من حماس المشاركين فيه أنها قضية الأمة الكُبرى!.. وهكذا؛ لنُشغل نحن بهذه المسرحية البئيسة عن حقوق المواطن السليبة؛ حتى غدونا الضحايا الأوائل لهذه الحرب، تغشى أبصارَنا دخانُ معارك لا مُنتصر فيها، وتُصم آذانَنا جعجةٌ لا طحين لها!

أيًا كان المُحرض والدافع؛ ومهما يكن الجمهور/الضحايا الحقيقيون؛ فقد ظل مشهد العرائس المُتحركة يتكرر.. مملاً كنشرة أخبار القناة الأولى.. طويلاً بطول خيباتنا.. باهتًا كأعيادنا .. حتى بدأ فصل جديد؛ تواطأت فيه وسائل الإعلام المحلية الرسمية -وكل إعلامنا رسمي!- على مهاجمة بعض علمائنا ودعاتنا والتجني عليهم وابتسار أقوالهم لتبدو مرة متطرفة وأخرى مُغفلة!

كانت آراء العلماء أقراصًا تُؤخذ “عند اللزوم” فقط؛ يُستدل بآرائهم ويُسمع لهم عند الحديث عن طاعة ولي الأمر -مثلا- أو الفئة الضالة، ثم لا يُأبه بهم ولا بأقوالهم ولا فتاواهم في كثيرٍ مما عدا هذا. كانت آراء العلماء كذلك حتى ازداد الأمر سوءًا فبدأ إعلامنا المُختطف حربًا شعواء على العلماء والدعاة، طالت شظاياها هيبتهم، ونالت أعراضهم وتهكمت بعقولهم واتهمت نواياهم، وكأنه لم يكف هيبةُ العلماء ما أصابها على أيدي العلماء والدعاة أنفسهم حتى زادها إعلامُنا وهناً على وهن!

أولئك الجاثمون على صدر إعلامنا، اللاعبون هذه اللعبة الخطرة؛ إنما يلعبون بالنار وهم لا يشعرون، فإن ثقةَ الناس بالعلماء هي الجبل الذي يأوي استقرارُ الدولة كلِّها إليه عند طوفان التغيرات المائجة، إذ العلماءُ والدعاة وحدهم القادرون على حفظ تماسك المجتمع بتأصيلهم لمفاهيم مهمة مثل “طاعة ولي الأمر” وهم -لا غيرهم- المحاربون في ساحات الفكر؛ يشهد لهذا عجز الدولة عن مكافحة القومية والناصرية في الستينات إلا بالاتكاء على جهود العلماء، بل باحتضان دعاة الإخوان المسلمين والتمكين لهم!

هذا التطور الأخير انحرافٌ خطير. وأولئك الذين يُمارسونه ويأذنون له يتناسون عواقب غياب “المثال” و “القدوة”، ولا يدركون أن سماء المجتمع حين تخلو من نجوم “حقيقية” سامية يُهتدى بها فإن أفراده سيلتمسون أي سديم في السماء ليتخذوه دليلا، أو سيستوردون بوصلات هجينة لا تُشير إلا إلى “الغرب”، أو أخرى متطرفة لا تعرف سوى العنف؛ وكلا الأمرين لا حلو فيهما.

إن جعل أعراض العلماء -الذين هم ورثة الأنبياء- حمىً مُباحًا للوالغين فيها ليس محذورًا شرعيًا فحسب؛ بل هو تهورٌ سياسي يُرتكب في مجتمع لا يكاد يُذعن إلا لسلطان الدين والسيف معًا، وهو مغامرةٌ حمقاء في وقتٍ يأنُّ فيه عامة الناس من وطأة المظالم الاجتماعية المتكاثرة..
فهل يعي ذلك مَن يتولى كِبر ما يجري اليوم ؟
أهو خروجٌ عن النص لا يرتضيه “المُخرِج”، أم هو فصل جديد في مسرحية العبث؟