
عندما تسمع أحدًا يُكرر كلمة [ آزدان ] فاعلم أنه داغستانيٌ من قومية الآفار –أكبر قوميات الداغستان-، واعلم أيضًا أن معناها لا يكون سوى : [ الحرية] أو [ الإنسان] ؛
وإذن فليس عسيرًا على أحدٍ أن يفهم لمَ يتأبى الداغستانيون على الاستعباد والطغيان، ولِمَ تكسرت أنيابُ الظلمة على صدور قومٍ الإنسانيةُ لديهم تكاد تكون وجهًا “حيًا” للحرية؛ لا معنى لأحدهما بدون الآخر.. قد تشربوا ذلك في أغنيات الطفولة، ومع حليب الأمهات، وعلى سفوح القفقاس: أن “آزدان” هو “آزدان”.
حتى عندما جثمتْ الشيوعيةُ على أرض الداغستان فإنها لم تسلك سبيل الاستعباد أول مرةٍ، بل دغدغتْ عواطفَ الناس بلمسات الحرية، وغنّت على أسماعهم أهازيجَ المساواة، وخلبتْ نواظرَهم ببريق العدل الموعود؛ فخُدع كثيرُ من الناس واعتنقوا الشيوعية حينها عن قناعةٍ؛ لا عن خوفٍ ولا عن استخذاء.
لكن ما الذي يحدث عندما يطول أمد ُالاستعباد على قوم؟!
أيُّ “مسخٍ” يُمارسه الاستعبادٌ على “جينات” الحرية في أمةٍ تعاقب عليها الليلُ والنهارُ آمادًا عاث الطُغيانُ خلالها في حرياتهم فسادًا؟!
وقائعُ التاريخ ومُجرياتُ الواقع تُحدثنا: إن للاستعباد –حينما يتطاول- طبائعَ أشدها سوءًا أنه يسلب من الناس جوهرَ الحرية وجواهرَها، ويغرس حرابَ الخوف في قلوبهم؛ حتى ما يعود للحرية ولا للأَنَفَة نبضٌ ولا حياة. هكذا يصنع الاستعبادُ والطغيانُ حينما يستحكم طويلاً؛ يهزأ بــ “قوانين مندل” في الوراثة، ويُمارس على شعوبٍ بأكملها تجاربَ بغيضةً من “الهندسة الوراثية”؛ تُستعبد فيها الفِطَرُ حتى يتوق الضحيةُ إلى سياط جلاده، وحتى يُخيل إليك أن الأمة كلها تكاد تكون حاملةٌ لنسخةٍ واحدة بئيسة من حمض الــ DNA ، ليس في تركيبته “جِينٌ سائدٌ” أبدًا، بل كل جيناته “مُتنحية” مغلوبةٌ على أمرها..
وفي التاريخ مصداقٌ لكل هذا؛ فإن بني إسرائيل قد طال عليهم أمدُ الاستعباد تحت نير فرعون وجنودِه، حتى إذا ما جاءتْ أقدارُ الله برياح الحرية، وأراهم اللهُ مَهْلِكَ مَن كان يسومهم سوء العذاب، وقيل لهم ادخلوا الأرض المُقدسة التي كتب الله لكم وأنتم موعودون بنصرٍ كالذي كان يوم الإغراق، وقيل لهم: ادخلوا فإنكم غالبون؛ عندئذٍ نشطتْ فيهم خلايا الخوف والجُبن، وفعلت طبائعُ الاستعباد فعلتَها فيهم حتى ما تلاشتْ من أذهانهم ملامحُ “الحرية”، وتعاظم في عقلهم الباطنِ مشهدُ الخوف.. ثم كانت النتيجةُ أن قالوا بلهجة الضعيف الخوّار مُنتكسِ الفطرة: [إن فيها قومًا جبارين ] .. وبعد أخذٍ وردٍ مع رجلين كان فيهما بقيةٌ باقية من فطرة لم يعبث بها الطغيان، عادوا فقالوا –وقد بلغت طبائعُ الاستعبادُ ذروة نشاطها-: [ إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون ] !
وعندما يبلغ شعبٌ هذا المبلغ من الذل فإن استصلاحه مُتعذرٌ؛ إلا أن يشاء الله له أن يستعيد فطرتَه السليبة.. ولا يكون ذلك –ولله المشيئة المُطلقة- إلا بأسبابٍ تبعثُ الحرية من مرقدها، وتوقظُ العزة من سباتها، وتنفخُ في الصور لتنهض أجداثُ الكرامة ليوم نشورها .. واللهُ –سبحانه- يعلم من بني إسرائيل فسادَ فطرتهم المُستعصية على الاستصلاح؛ فعاقبهم بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.
ولعل في ذلك حكمةً بالغةً؛ أن يفنى الجيلُ الذليل، وينشأ سلفُهم في البيداء؛ يستلهمون من أفقها الرحيب معنى الحرية، ويستمدون من مرأى الأفلاك علوَ الهمة، وينتشون كل يومٍ مع نسمات الفجر صفاءَ الفطرة الإنسانية التي جبلها الله على ألا تُستعبد إلا له سبحانه.. فكان المآلُ أن عادت فطرُ الأسلاف إلى طبيعتِها، ومضى جيلُ الأحرار الجديد إلى أبواب القدس؛ فافتتحوها:
يقول ابنُ كثير في تفسيره:
[ ... ومات أكثر بني إسرائيل في تلك المدة، ويُقال إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب .... فلما انقضت المدة سار بهم يوشع بن نون عليه السلام –أو بمن بقي منهم- وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني؛ قصد بهم بيت المقدس فحاصرها ، فكان فتحُها يوم الجمعة بعد العصر ...]
إن الحرية قيمةٌ إنسانيةٌ عُظمى، وإن جناية الطُغيان ليست في البطش ولا في الحبس ولا في القتل -مادام في القلب حريةٌ تنبض وإيمانٌ يتدفق-؛ إنما جريمتُه الكبرى أن يعبث بفطر الناس، وأن يحقن في أوردتهم “أمصالَ” الاستخذاءِ والضعفِ والاستعبادِ؛ يرثونها ذليلاً عن ذليل.. فما يكاد أحدٌ منهم يميز حلاوةَ الحرية من علقم العبودية.
من أجل هذا؛ فإن المُصلحـ/ـة والمُربيـ/ــة والداعية يرتكب جنايةً في حق شعبه والمُتربين على يديه حينما يبدأ بتعليمهم شيئًا قبل التوحيدِ والانعتاقِ من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.. أو حين يسوغ للطغيان بطشَه.. أو حين يُبالغ في الثناء على ظلومٍ قد علم الناسُ كلهم ظلمَه.. فإنه إن فعل كان شريكًا في جريمة القضاء على “الحرية” غفلةً منه أو خوفًا .. أو خيانة!
ليس معنى هذا أن تُشَقَّ عصا الطاعة، ولا أن يُحرَض الناس على الخروج في وجه الظالم المُقيم شعائرَ الدين، ولا أن تُستباح دماءُ الناس وأعراضُهم وأموالُهم في” ثوراتٍ” و “انقلابات” لا تجلب سوى الدمار وخرابِ الديار. كلا؛ إنما هي دعوةٌ إلى أن ينهض العلماءُ والمُربون والمُصلحون بمسؤولية فتحِ النوافذ لنسائم الحرية العذبة، وتعليمِ إخواننا وأخواتنا أبنائنا -والناسِ أجمعين- حقيقةَ أن الطاعةَ للظالم والسكوتَ عن المظالم تفاديًا لما هو أسوأ إنما هو دينٌ يُتقرب به إلى الله سبحانه صبرًا وإيمانًا، وأنه عبوديةٌ لله لا لأحدٍ من خلقه،
و أن “آزدان” هو “آزدان”..
_________
* الصورة من هنا